تكشف التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تحول استراتيجي عميق في آلية التعامل مع إيران، يقوم على الانتقال من سياسة الردع التقليدي والاحتواء إلى سياسة الرد المباشر وربط المسؤولية بين أفعال إيران ووكلائها الإقليميين، ولا سيما الحوثيين. فقد أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستعتبر أي استهداف للسفن التجارية أو ناقلات النفط في مضيق باب السلام/ هرمز، أو مضيق باب المندب أو في البحر العرب أو الخليج العربي عملاً تتحمل إيران مسؤوليته، سواء نُفِّذ بصورة مباشرة أو عبر حلفائها، وأن الرد الأمريكي لن يقتصر على اعتراض الهجمات أو استهداف المنفذين، بل سيمتد إلى ضرب أهداف داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك البنى التحتية الاستراتيجية مثل الجسور ومحطات الكهرباء. كما أشار إلى أن الدبلوماسية مع طهران لم تعد تحقق النتائج المطلوبة، وأن واشنطن تتجه إلى توسيع نطاق الضغوط العسكرية لفرض معادلة ردع جديدة.
وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي وتشريعي أمريكي يعكس بدوره تصاعد القلق من الانزلاق إلى مواجهة أوسع مع إيران. فقد عطّل مجلس الشيوخ الأمريكي قرارًا تقدم به الديمقراطيون لوقف الحرب على إيران. وقد صوّت مجلس الشيوخ بواقع 49 مقابل 47 صوتًا على عدم المضي قدمًا في القرار المتعلق بصلاحيات الحرب، وهو ما يمنح الإدارة هامشًا أوسع للتحرك. وفي موازاة ذلك، صوّت مجلس النواب الأمريكي بالموافقة على إطار ميزانية بقيمة 95 مليار دولار، خُصص معظمها للبنتاغون ووكالات الاستخبارات لتمويل الحرب ضد إيران، بما يشير إلى أن التصعيد لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل بدأ يكتسب غطاءً مؤسساتيًا وماليًا يهيئ الأرضية لتوسيع العمليات العسكرية.
ويمثل هذا الموقف تحولًا مهمًا في قواعد الاشتباك الأمريكية، إذ لم تعد واشنطن تفصل بين إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها، بل تتبنى مبدأ المسؤولية المباشرة عن أي تهديد للملاحة الدولية. وبذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى إنهاء هامش المناورة الذي اعتمدت عليه طهران لسنوات عبر استخدام الوكلاء لتنفيذ عمليات تستهدف السفن وناقلات النفط مع تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. فالمعادلة الجديدة التي يطرحها ترمب تقوم على أن أي اعتداء على حركة التجارة العالمية سيقابله ثمن استراتيجي تدفعه الدولة الإيرانية نفسها داخل أراضيها، وليس مجرد رد بحري محدود أو عقوبات إضافية.
واللافت في هذه الاستراتيجية أنها لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تتضمن بعدًا اقتصاديًا وقانونيًا غير مسبوق، يتمثل في إعلان ترمب أن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج يمكن استخدامها لتعويض الخسائر التي تتعرض لها السفن التجارية وناقلات النفط نتيجة الهجمات المنسوبة إلى إيران أو الحوثيين. وهذا يعني أن واشنطن تسعى إلى نقل كلفة الهجمات البحرية إلى الاقتصاد الإيراني مباشرة، بحيث لا تقتصر تبعات أي عملية استهداف على الرد العسكري، بل تشمل أيضًا استنزاف الموارد المالية الإيرانية لتعويض شركات الشحن والطاقة والدول المتضررة. ومن شأن هذه الخطوة، إذا جرى العمل بها، أن تحوّل الأصول المجمدة من ورقة تفاوض سياسية إلى أداة ردع اقتصادي مرتبطة بأمن الملاحة الدولية.
ومن منظور استراتيجي، يبدو أن إدارة ترمب تهدف إلى إعادة فرض هيبة الردع الأمريكي في الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما أن مضيق باب السلام/ هرمز وباب المندب يمثلان شريانين رئيسيين للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. فالرسالة الأساسية التي تحملها هذه التصريحات هي أن حرية الملاحة لم تعد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبحت مسألة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي وباستقرار النظام التجاري الدولي، وأن أي محاولة لاستخدام الممرات البحرية كورقة ضغط أو ابتزاز ستقابل برد مباشر على الدولة التي يُنظر إليها باعتبارها الراعي أو المحرّض لتلك الهجمات.
وإذا نجحت هذه الاستراتيجية في فرض معادلة ردع مستقرة، فإنها قد تضع حدًا لسياسة استهداف السفن وناقلات النفط التي استخدمتها إيران أو حلفاؤها كوسيلة للضغط السياسي والعسكري. فارتفاع كلفة هذا الخيار، عسكريًا عبر استهداف البنية التحتية، واقتصاديًا عبر استخدام الأصول المجمدة لتعويض المتضررين، قد يدفع طهران إلى إعادة حساباتها بشأن جدوى استمرار هذا النهج. كما أن تحميل إيران المسؤولية القانونية والسياسية عن أفعال وكلائها يسهم في تضييق مساحة الإنكار التي استفادت منها خلال السنوات الماضية، ويعزز من الضغوط الدولية المرتبطة بحماية الملاحة واحترام قواعد القانون الدولي.
وفي المحصلة، لا تبدو تصريحات ترمب مجرد تصعيد إعلامي عابر، بل تعكس محاولة لإعادة صياغة قواعد الردع في الشرق الأوسط من خلال ربط أمن الممرات البحرية بأمن الدولة الإيرانية مباشرة. فالمعادلة التي يطرحها الرئيس الأمريكي تقوم على أن أي سفينة تُستهدف في باب السلام أو باب المندب لن تكون حادثة بحرية معزولة، بل سببًا لرد أمريكي داخل إيران، وأن أي خسائر تتكبدها شركات الشحن والطاقة يمكن أن تُقتطع من الأموال الإيرانية المجمدة. وإذا ما اقترنت هذه التصريحات بإجراءات عملية متسقة، فإنها قد تمثل نقطة تحول في الصراع الإقليمي، عبر السعي إلى إنهاء استخدام الممرات البحرية كأداة للضغط والابتزاز، وفرض معادلة جديدة تجعل استهداف السفن التجارية وناقلات النفط عملاً ذا كلفة استراتيجية باهظة على إيران نفسها، بما يضع حدًا لتمردها على القانون الدولي في هذا المجال.