إن الكشف الإسرائيلي عن انطلاق مقاتلات أمريكية من قواعد داخل إسرائيل لتنفيذ ضربات ضد إيران في التاسع والعشرين من يوليو الجاري يغيّر جانبًا مهمًا من معادلة الردع الإقليمية، ويضع طهران أمام اختبار حقيقي لمصداقية خطابها. فقد روّج النظام الإيراني طوال السنوات الماضية، ولا سيما خلال الأيام الماضية، لرواية مفادها أن أي اعتداء على إيران ينطلق من قواعد أمريكية في المنطقة يجعل تلك القواعد والدول المستضيفة لها أهدافًا مشروعة للرد الإيراني. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن تلك المقاتلات استهدفت عدة مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني في مدينة بيرانشهر بمحافظة أذربيجان الغربية شمال غربي إيران، وهو ما يجعل إسرائيل – وفق هذه الرواية – طرفًا مباشرًا في العمليات العسكرية ضد إيران.
ومن هذا المنطلق، فإن تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لا يقتصر على كشف معلومة عملياتية، بل قد يُغيّر حسابات الرد الإيراني بصورة جوهرية. فإذا كانت طهران قد تجنبت، خلال الأيام والأسابيع الماضية، استهداف إسرائيل بحجة أن المقاتلات الأمريكية لا تنطلق من الأراضي الإسرائيلية، فإن هذا التصريح يضعها أمام معضلة تتعلق بمدى اتساق سلوكها مع قواعد الردع التي أعلنتها. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد فرضية أن يكون الكشف قد حمل رسالة سياسية أو عسكرية تهدف إلى دفع إيران نحو رد مباشر على إسرائيل، بما يمنح تل أبيب مبررًا أوسع لتوسيع عملياتها العسكرية تحت عنوان “الدفاع عن النفس”.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي، حيث أكد نتنياهو أن الاجتماع كان ناجحًا للغاية، فيما جددت الإدارة الأمريكية موقفها القائم على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، سواء عبر المسار الدبلوماسي أو باستخدام القوة إذا فشلت الوسائل السلمية. ويعكس ذلك استمرار التنسيق الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الملف الإيراني، ويشير إلى أن الخيار العسكري لا يزال حاضرًا ضمن البدائل المطروحة.
ويعزز هذا التقدير ما يتداول من تقارير أمريكية وإسرائيلية عن نشاط إيراني في الموقع الجبلي المعروف إعلاميًا باسم “رأس الفأس”، والذي يُعتقد أنه من أكثر المواقع النووية الإيرانية تحصينًا. فقد تعزز هذه التقارير الاعتقاد بأن الضربات السابقة لم تحقق أهدافها النهائية، وأن إيران تعمل على إعادة بناء أو حماية مكونات برنامجها النووي داخل منشآت يصعب استهدافها مستقبلًا، بما يزيد من احتمالات اللجوء إلى جولة عسكرية جديدة إذا تعذر احتواء الملف عبر الوسائل السياسية. كما أن تعثر بعض المسارات الدبلوماسية الإقليمية، بما في ذلك رفض المقترح العماني المتعلق بآلية إدارة الملاحة في مضيق باب السلام/هرمز، قد يمثل مؤشرًا إضافيًا على تراجع فرص التسوية السياسية.
وفي ضوء ذلك، تجد إيران نفسها أمام كماشة استراتيجية مزدوجة. فمن جهة، بنت خطابها السياسي والعسكري على أن أي دولة تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها لتنفيذ عمليات أمريكية ضد إيران تصبح هدفًا مشروعًا للرد، وهو المنطق الذي استندت إليه في تبرير تهديداتها واعتداءاتها تجاه بعض دول الخليج العربي. وإذا قبلت اليوم بالرواية التي تفيد بأن الضربات الأمريكية انطلقت من إسرائيل واستهدفت مواقع للحرس الثوري في بيرانشهر، فإن تجاهلها قد يضع مصداقية خطابها في مهب الريح، ويثير تساؤلات حول اتساق قواعد الاشتباك التي أعلنتها. ومن جهة أخرى، فإن استهداف إسرائيل مباشرة قد يوفر لتل أبيب وواشنطن المبرر السياسي والعسكري لتوسيع نطاق العمليات ضد إيران، مستفيدتين من المناخ الإقليمي والدولي الداعم لاستمرار الضغط على البرنامج النووي الإيراني.
وبناءً على مجمل هذه المؤشرات، فإن التقدير الأقرب يتمثل في أن القيادة الإيرانية تواجه خيارين، يحمل كل منهما كلفة استراتيجية مرتفعة؛ فعدم الرد على إسرائيل سيُفسَّر على أنه تراجع عن قواعد الردع التي أعلنتها، بينما قد يوفر الرد عليها الذريعة التي تبحث عنها إسرائيل لتبرير جولة جديدة من العمليات العسكرية، بمشاركة أمريكية.
تبدو إيران اليوم أمام معادلة معقدة تتداخل فيها اعتبارات الردع، والحفاظ على المصداقية السياسية، وتجنب الانجرار إلى مواجهة واسعة قد تستغلها الولايات المتحدة وإسرائيل لتوسيع نطاق الحرب واستكمال الأهداف العسكرية والأمنية والسياسية التي تعذر تحقيقها في المواجهات السابقة، بما في ذلك إضعاف النظام الإيراني إلى الحد الأقصى، أو الدفع نحو تغييره إذا تهيأت الظروف المناسبة، إلى جانب إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية للخليج العربي بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية ويعزز نفوذهما في ممراته ومواقعه الحيوية.