تشهد البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران تحولًا متسارعًا في طبيعة الضغوط الغربية، مع انتقالها من التركيز على احتواء البرنامج النووي إلى تبني مقاربة شاملة تستهدف مجمل أدوات القوة الإيرانية، بما في ذلك الحرس الثوري، والنفوذ الإقليمي، وحرية الملاحة في الخليج العربي، والقدرات العسكرية. ويأتي ذلك في ظل تصاعد المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار التوتر في مضيق باب السلام/هرمز، بما يعكس دخول الأزمة مرحلة جديدة تتسم بتداخل الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية، وارتفاع احتمالات التصعيد العسكري الشامل بجولات عسكرية جديدة.

في هذا السياق، أكدت دول الاتحاد الأوروبي أهمية احترام حرية الملاحة في مضيق باب السلام/ هرمز، في رسالة سياسية واضحة تعكس رفض أي محاولات لفرض وقائع جديدة في أحد أهم الممرات البحرية الدولية. كما شددت فرنسا على أن رفع العقوبات عن إيران سيظل مرهونًا بتخليها عن برنامجها النووي، بما يعكس استمرار الموقف الأوروبي القائم على استخدام العقوبات كأداة ضغط استراتيجية، ويؤكد تراجع فرص العودة إلى تفاهمات نووية في ظل الظروف الراهنة.

ويعزز الموقف الإيطالي هذا الاتجاه، إذ أدانت روما التهديدات التي طالت رئيسة الوزراء الإيطالية والرئيس الأمريكي وعددًا من المسؤولين الغربيين، ووصفتها بأنها غير مقبولة، مؤكدة في الوقت ذاته أن إيطاليا لم تشارك في أي عمليات عسكرية ضد إيران، لكنها ترفض بصورة قاطعة تهديد أمن الملاحة الدولية في الخليج. ويعكس هذا الموقف توافقًا أوروبيًا متزايدًا على اعتبار أمن الملاحة واستقرار الخليج جزءًا من الأمن الأوروبي والدولي.

وفي تطور ذي دلالات قانونية وسياسية مهمة، استخدمت الحكومة البريطانية صلاحياتها القانونية الجديدة لإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، بعد إزالة القيود التشريعية التي كانت تحول دون إدراج مؤسسات حكومية أجنبية ضمن تلك القوائم. وتمثل هذه الخطوة تحولًا نوعيًا في السياسة البريطانية تجاه إيران، وقد تشكل سابقة تدفع دولًا أوروبية أخرى إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، بما يوسع نطاق الضغوط القانونية والمالية على الحرس الثوري وشبكاته.

بالتوازي مع ذلك، تستمر الساحة العراقية في عكس جانب من الصراع غير المباشر مع إيران، حيث تعرض مقر حزب الحرية الكردستاني (الإيراني) في أربيل لهجوم بطائرات مسيرة، في سياق سلسلة طويلة من الهجمات التي استهدفت مقرات الحزب خلال الأشهر الماضية. ويؤكد استمرار هذه العمليات أن طهران لا تزال تعتمد سياسة استباقية في التعامل مع الجماعات الكردية المعارضة خارج حدودها، باعتبارها جزءًا من منظومة أمنها القومي، رغم ما يرافق ذلك من انتقادات وضغوط دولية.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن السياسة الغربية تجاه إيران تشهد تحولًا تدريجيًا من التركيز على الملف النووي إلى استراتيجية احتواء متعددة المسارات، تشمل تشديد العقوبات، وتوسيع الأدوات القانونية، وتعزيز الردع العسكري، ومواجهة النفوذ الإقليمي الإيراني. كما تعكس تنامي التنسيق بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية في التعامل مع إيران باعتبارها تحديًا أمنيًا واستراتيجيًا يتجاوز الإطار النووي، ليمتد إلى أمن الطاقة العالمي، والملاحة البحرية، والاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق، يكتسب التصعيد العسكري في منطقة الخليج العربي أهمية خاصة بوصفه مؤشرًا إضافيًا على انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر خطورة. حيث أن الولايات المتحدة نفذت خلال أسبوع أربع موجات من الضربات العسكرية استهدفت مواقع عسكرية إيرانية، شملت منظومات رادار، ومنصات إطلاق صواريخ، وقدرات مرتبطة بالطائرات المسيّرة امتدّت تلك الضربات من مدينة عبادان ومعشور والقنيطرة في الأحواز إلى جاسك وميناء تشابهار في بلوشستان، في إطار سياسة تستهدف تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، وتعزيز الردع، ومنع طهران من فرض معادلات ميدانية جديدة في الخليج العربي.

وفي المقابل، لا تزال أزمة مضيق باب السلام/هرمز تمثل العقدة الأكثر حساسية في المشهد الإقليمي، إذ لم تنجح حتى الآن الوساطات التي تقودها كل من قطر وسلطنة عُمان وباكستان في التوصل إلى تفاهمات تخفف من حدة التوتر. ويعود ذلك إلى تمسك طهران بالمضيق باعتباره أهم أوراقها الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الغربية، بالنظر إلى موقعه الحيوي في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. ومن هذا المنطلق، ترى القيادة الإيرانية أن القدرة على التأثير في أمن الملاحة الدولية وأسعار النفط تمنحها أداة ردع ذات تأثير سياسي واقتصادي واسع، وهو ما يفسر تكرار تصريحات مسؤولين إيرانيين اعتبروا أن ورقة مضيق باب السلام/هرمز تمثل عنصر قوة استراتيجيًا يفوق في تأثيره السياسي والاقتصادي امتلاك السلاح النووي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تقدير أن إيران والولايات المتحدة دخلتا مرحلة جديدة من المواجهة تقوم على مبدأ “التصعيد المنضبط”، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز أوراق الضغط والردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، إلا أن هذا النمط من الصراع يظل معرضًا لخطر سوء التقدير أو وقوع حادث عسكري قد يؤدي إلى توسع دائرة المواجهة بصورة يصعب احتواؤها.

وعليه، فإن المؤشرات الحالية ترجح استمرار الضغوط الغربية على إيران عبر مسارات متوازية تشمل العقوبات الاقتصادية، والإجراءات القانونية، والردع العسكري، في مقابل تمسك طهران بأوراقها الإقليمية، وفي مقدمتها مضيق باب السلام وشبكة حلفائها وقدراتها الصاروخية والمسيّرة. كما يرجح استمرار المواجهة المباشرة الشاملة بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة، مع ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في الخليج العربي، وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في المدى المنظور، الأمر الذي يجعل المنطقة أمام مرحلة تتسم بتوازن هش بين الردع والتصعيد، مع بقاء احتمالات الانفجار الإقليمي قائمة إذا ما تغيرت قواعد الاشتباك أو فشلت جهود احتواء الأزمات المتراكمة.