نفذت الولايات المتحدة، فجر الخميس 30/07/2026، عبر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، سلسلة واسعة من الضربات الجوية استهدفت عشرات المواقع التابعة للحرس الثوري الإيراني في عدد من الأقاليم والمحافظات في إيران، شملت بوشهر، والأحواز، وفارس، وهرمزغان، إضافة إلى مواقع في جيلان وزنجان.
وركزت الضربات على مراكز القيادة والسيطرة، ومنشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنظومات الدفاع الساحلي، ومراكز الاستخبارات التابعة للحرس الثوري، بما يعكس استهدافًا ممنهجًا للبنية العسكرية والأمنية التي يعتمد عليها الحرس الثوري في إدارة عملياته البرية والبحرية والصاروخية. كما امتدت الضربات إلى مواقع قريبة من الجزر في الخليج العربي، ولا سيما جسم، قيس وأبو موسى، وهي مناطق ذات أهمية عسكرية واستراتيجية بالنسبة لإيران.
ووفقًا لمقاطع الفيديو المتداولة والتقارير الواردة من داخل إيران، شملت الضربات في الأحواز استهداف مركز استخبارات رئيسي ومهم في حي الزهور (غلستان) بمدينة الأحواز، إلى جانب مراكز استخباراتية وأمنية مماثلة في مدن الفلاحية ومعشور وعبادان، الأمر الذي يشير إلى أن العمليات لم تقتصر على استهداف القدرات العسكرية التقليدية، وإنما امتدت إلى البنية الأمنية والاستخباراتية المسؤولة عن إدارة العمليات الداخلية والخارجية.
وتزامنت هذه الضربات مع تقارير إعلامية أمريكية أفادت بأن القيادة المركزية الأمريكية أعدت خطة لحملة جوية قد تستمر نحو أسبوعين، مع بقاء قرار توسيع العمليات مرهونًا بالتطورات الميدانية والقرار السياسي في واشنطن، وبطبيعة الرد الإيراني.
الأهداف
أولًا: الهدف المعلن
يتمثل الهدف المعلن للعملية الأمريكية في تدمير أو إضعاف القدرات العسكرية والأمنية الإيرانية، ولا سيما منظومات القيادة والسيطرة، والقوات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الساحلية، بما يحد من قدرة طهران ووكلائها على تهديد القوات الأمريكية واستهداف السفن وناقلات النفط وخطوط الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز.
ثانيًا: الهدف غير المعلن
تشير طبيعة الأهداف، ومواقع الاستهداف، وتركيز العمليات على المحافظات الجنوبية والجزر المطلة على الخليج العربي، إلى احتمال وجود هدف استراتيجي أوسع يتجاوز مجرد الردع العسكري، ويتمثل في تهيئة البيئة العسكرية والأمنية لعمليات مستقبلية قد تشمل فرض السيطرة على بعض الجزر والموانئ الإيرانية، وربما أجزاء من الساحل الشرقي للخليج العربي إذا اتسعت دائرة الصراع.
ويستند هذا التقدير إلى الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لذلك الساحل، الذي يضم أهم الموانئ الإيرانية على الخليج العربي، إضافة إلى حقول النفط والغاز الكبرى الواقعة في دولة الأحواز المحتلة، والتي تمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الإيراني. ومن ثم، فإن أي سيطرة على هذه المنطقة، أو حرمان إيران من الاستفادة منها، من شأنه أن يوجه ضربة استراتيجية لقدراتها الاقتصادية والعسكرية، وأن يقلص من مكانتها الجيوسياسية ونفوذها الإقليمي.
التقدير والتحليل
تعكس طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف أن الولايات المتحدة لا تستهدف توجيه ضربة عقابية محدودة فحسب، وإنما تسعى إلى إضعاف منظومة القوة الإيرانية بصورة تدريجية، عبر استنزاف مراكز القيادة والسيطرة، وشل قدرات الحرس الثوري على إدارة العمليات العسكرية والأمنية، وتقويض منظوماته الصاروخية والبحرية والاستخباراتية، بما يحد من قدرته على المبادرة والرد.
كما أن التركيز على المحافظات الجنوبية والجزر المطلة على الخليج العربي يكشف أن البعد البحري يمثل محورًا رئيسيًا في التخطيط الأمريكي، نظرًا لارتباطه المباشر بأمن الملاحة الدولية، وحماية خطوط إمداد الطاقة، وضمان حرية حركة الأساطيل الغربية في الخليج العربي. ويشير ذلك إلى أن العمليات العسكرية الحالية قد تكون جزءًا من مرحلة تمهيدية لإعادة تشكيل البيئة العسكرية في الخليج بما يحقق تفوقًا عملياتيًا طويل الأمد للقوات الأمريكية وحلفائها.
الاستنتاج
تمثل الضربات الأمريكية تحولًا نوعيًا في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران، إذ انتقلت من سياسة الردع والرد المحدود إلى استهداف البنية العسكرية والأمنية للحرس الثوري بصورة مباشرة ومنظمة. ورغم أن الهدف المعلن يتمثل في تقليص قدرة إيران على تهديد القوات الأمريكية وأمن الملاحة في الخليج العربي، فإن نمط الاستهداف، وطبيعة المواقع المستهدفة، والتركيز على إقليم الأحواز والجزر والسواحل الجنوبية، توحي بأن العمليات قد تحمل أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى تتجاوز الرد العسكري المباشر.
وفي حال استمرار التصعيد، فإن إقليم الأحواز مرشح لأن يكون أحد أهم مسارح العمليات العسكرية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما لكونه يمثل مركز الثقل الاقتصادي لإيران، إذ يضم الجزء الأكبر من ثرواتها النفطية والغازية ومنافذها البحرية على الخليج العربي. ومن ثم، فإن أي تطور في مسار العمليات داخل هذا الإقليم ستكون له انعكاسات مباشرة على قدرة إيران الاقتصادية والعسكرية، وعلى موازين القوى في الخليج العربي بأكمله.