مقدمة: أين تقف أنت؟

 

قد يولد الإنسان في وطن، ويحمل اسمه ولهجته وذكرياته، لكنه لايحمل قضيته بالضرورة. وقد يعيش بعيدًا عن أرضه، تفصل بينه وبينها الحدود والمنافي والسنوات، ومع ذلك تبقى حاضرة في وعيه، وفي اختياراته، وفي الطريقة التي يرى بها نفسه والعالم. فالقضية لاتسكن الجغرافيا وحدها، بل قد تسكن الضمير.

 

ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا يستطيع الإنسان الأحوازي أن يتهرب منه طويلًا: ما موقع القضية الأحوازية في حياته؟ هل هي مجرد هوية يذكرها حين يُسأل عن أصله؟ أم ذاكرة عاطفية يستحضرها في المناسبات؟ أم اهتمام فكري يتابع من خلاله الأخبار والأحداث؟ ام التزام عملي يمنحه جزءًا من وقته وجهده ومعرفته؟ وهل هو متابع، ام متعاطف، أم ناشط، أم مناضل، أم ثائر؟ أم أنه اختار السلامة والابتعاد؟ وهل ابتعاده ناتج عن خوف مشروع، أم تعب، أم  انشغال بالحياة، أم اقتناع بأن القضية لم تعد تعنيه؟

 

هذه الأسئلة لا تُطرح لإدانة الناس، ولا لتوزيع صكوك الوطنية، ولا لمنح شخص حق الحكم على ضمائر الآخرين. فليس كل صامت خائنًا، وليس كل متكلم مناضلًا، وليس كل من يرفع شعارًا صادقًا، كما أن من يتحمل مسؤولياته الأسرية أو يبتعد خوفًا على حياته لا يمكن وضعه تلقائيا في خانة الخضوع. الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في كلمة، والظروف النفسية والاجتماعية والسياسية التي تصنع مواقفه لاتتشابه من شخص إلى آخر.

 

لكن رفض الأحكام المتسرعة لا يعني إلغاء المساءلة. فهناك فرق بين ان نفهم الخوف وأن نحوّله إلى فضيلة، وبين أن نتفهم العجز وأن نجعله مبررا دائمًا، وبين أن نختار النضال السلمي وأن نبرر الظلم باسم السلام. وهناك أيضًا فرق بين من يجعل القضية جزءًا من مسؤوليته، ومن يجعلها وسيلة لبناء اسمه، أو مكانته، أو نفوذه، أو مصالحه الشخصية.

 

إن الإنسان الأحوازي لا يقف دائمًا في موقع ثابت. فقد يبدأ مهتمًا، ثم يصبح ناشطًا، وقد يتطور نشاطه إلى التزام طويل يقترب من معنى النضال. وقد يحدث العكس؛ فيتراجع المناضل بعد سنوات من الخسارة أو الإحباط، أو يتحول المثقف من خدمة القضية إلى استخدام القضية لخدمة ذاته. لذلك لا ينبغي فهم هذه المواقع بوصفهاهويات نهائية، بل حالات ومسارات يتحرك الإنسان بينها بحسب وعيه، وقيمه، وظروفه، وقدرته على الفعل.

 

ولا يحدد النضال موقع الإنسان الجغرافي وحده. فالوجود في الداخل قد يضاعف المخاطر ويمنح الفعل طبيعة مختلفة، لكنه ليس الشرط الوحيد لاكتساب صفة المناضل. كما أن اللجوء أو الهجرة لا يسلب الإنسان حقه في خدمة قضيته. فالمناضل قد يعمل داخل الوطن أو خارجه، بالقلم أو الكلمة أو البحث أو التنظيم أو الإعلام أو الدفاع الحقوقي أو حفظ الذاكرة واللغة والهوية. المعيار الحقيقي ليس المكان وحده، بل طبيعة الالتزام، واستمراره، وأثره، والكلفة التي يقبل الإنسان يتحملها من أجله.

 

كذلك لا ينتمي المناضل إلى طبقة اقتصادية أو اجتماعية بعينها. فقد يكون  فقيرًا أو ميسورًا، عاملًا أو أكاديميًا، رجلًا أو امرأة، شابًا أو مسنا. فالفقر لا يصنع النضال تلقائيًا، والثراء لا يمنعه بالضرورة، والعمر لا يحتكر الوعي، والجنس لا يحدد مقدار الانتماء. ما يصنع الفارق هو تحوّل الهوية من شعور داخلي إلى مسؤولية، وتحول المسؤولية من فكرة إلى فعل، وتحول الفعل من استجابة عاطفية مؤقتة إلى التزام واعٍ ومستمر.

 

ومن هنا يحاول هذا المقال أن يضع الإنسان الأحوازي أمام مرآة، لاأمام محكمة. فالغاية ليست أن يقول له الكاتب: من أنت، بل أن يمنحه مجموعة من الأسئلة والمعايير التي تساعده على أن يسأل نفسه بصدق: أين أقف من قضيتي؟ هل أعيشها بوصفها انتماءً، أم التزامًا، أم مصلحة، أم عبئًا أحاول التخلص منه؟ وهل أستخدم معرفتي وموقعي وإمكاناتي في خدمتها، أم أكتفي بأن أطالب الآخرين بما لم اقدمه أنا؟

 

وقبل أن يوجّه الكاتب هذه الأسئلة إلى غيره، فإن عليه أن يضع نفسه في مقدمة من يخضعون لها. فهذا المقال ليس إعلانًا للبراءة، ولا ادعاءً للنضال، بل محاولة لفهم الذات الأحوازية في علاقتها بقضيتها؛ بمافيها من شجاعة وخوف، وإخلاص ومصلحة، وأمل ويأس، وفعل وصمت. ولعل السؤال الذي يبدأ به المقال، ويجب أن يبقى مفتوحًا حتى نهايته، هو: ماذا تعني القضية الأحوازية له؟ 

 

 

من هو الناشط الأحوازي، ومن هو المناضل الأحوازي؟ 

تُستعمل كلمتا الناشط والمناضل في الخطاب الأحوازي كثيرًا، وأحيانًا يستخدم كل منهما بدل الآخر، حتى كأنهما يحملان المعنى نفسه. لكن هذا الخلط يخلق إشكالًا حقيقيًا؛ لأن النشاط والنضال قد يلتقيان في بعض المساحات، إلا أنهما لا يتطابقان بالضرورة. وكل محاولة لفهم موقع الإنسان الأحوازي من قضيته تحتاج أولًا إلى التمييز بين المفهومين، لا من أجل منح الألقاب أو سحبها، بل من أجل معرفة طبيعة الالتزام الذي يمثله كل منهما.

الناشط، في معناه العام، هو الإنسان الذي يتحرك في مساحة عامة دفاعًاعن فكرة أو قضية أو مطلب. قد يكتب، أو يتحدث، أو ينظم فعالية، أو يشارك في مظاهرة، أو يدير حملة إعلامية، أو ينشر الوعي، أو يساهم في عمل حقوقي أو ثقافي أو سياسي. والنشاط قد يكون مستمرًا، وقد يكون مؤقتًا أو مرتبطا بحدث محدد. وقد يكون عميقًا ومؤثرًا، كما قد يبقى محدودًا في دائرة التفاعل والتعبير.

ومن هنا، فإن الناشط الأحوازي هو من يشارك، بدرجة ما، في إبقاء القضية الأحوازية حاضرة في المجال العام. قد يكتب عنها، أو يتابع أخبارها، أو ينقل معاناة شعبها، أو يعمل داخل مؤسسة أو تجمع، أو يشارك في نشاط ثقافي أو سياسي أو حقوقي. وهذه الأدوار ليست قليلة القيمة، بل قد تكون ضرورة في صناعة الوعي، وحماية الذاكرة، وبناء الحضور الإعلامي والسياسي للقضية.

لكن النضال، في معناه الأعمق، لا يقتصر على المشاركة في النشاط، بل يرتبط بدرجة أعلى من الالتزام والاستمرارية وتحمل المسؤولية. فالمناضل لايتعامل مع القضية بوصفها مناسبة عابرة أو موضوعًا جانبيًا، بل بوصفها جزءاً من بنيته الأخلاقية وهويته ومسؤوليته. إنه لا يتحرك فقط عندما تشتعل الأحداث أو ترتفع الأصوات، بل يبقى حاضرًا حين تنخفض الأضواء، وحين يقل الجمهور، وحين يصبح العمل شاقًا وغير مرئي.

وعليه، يمكن القول إن كل مناضل يمارس شكلًا من أشكال النشاط، لكن ليس كل ناشط مناضلًا. فالنشاط يشير إلى الفعل، أما النضال فيشير إلى طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالقضية، وإلى مدى ثباته أمام الكلفة والضغط والإغراء والتراجع. قد يشارك الإنسان في نشاط واحد ثم ينسحب، وقد ينشط في فترة من حياته لأسباب عاطفية أو اجتماعية أوسياسية، لكن وصف المناضل يفترض مسارًا أوسع من المشاركة العابرة.

غير أن هذا التمييز لا ينبغي أن يتحول إلى ترتيب متعالٍ يحتقر الناشط أو يقلل من دوره. فقد يبدأ المناضل ناشطًا، وقد يكون النشاط أول طريق الوعي والالتزام  كما أن بعض أشكال النشاط المتخصص قد تحقق أثرًا أكبر من خطابات طويلة تُرفع تحت اسم النضال. فالعبرة ليست بكثرة الشعارات، ولا بطول السيرة السياسية، ولا بالمكانة داخل التنظيمات، بل بصدق الدافع، ونوعية الفعل، واستمراريته، وأثره الحقيقي.

النضال ليس لقبًا يمنحه الإنسان لنفسه

من المشكلات التي تصيب بعض الحركات السياسية والوطنية أن يتحول وصف المناضل إلى لقب شرفي يستخدمه الإنسان لتعريف نفسه، بدل أن يكون وصفًا لمسار من العمل والتضحية والانضباط. وقد يكرر شخص هذا اللقب عن نفسه سنوات، بينما لا يظهر في سلوكه ما يميز المناضل عن غيره. وفي المقابل، قد يقوم آخر بعمل هادئ ومؤثر طوال حياته، من دون أن يطالب الناس بأن ينادوه مناضلًا.

فالمناضل لا يُعرَف بما يقوله عن نفسه فقط، بل بما يفعله حين لا يراقبه أحد، وبموقفه عندما تتعارض مصلحته الشخصية مع مصلحة القضية، وبقدرته على الثبات حين لا تمنحه القضية شهرة أو منصبًا أو نفوذًا. وتظهر حقيقة الالتزام بصورة أوضح عندما يصبح العمل مكلفًا، لا عندما يكون مصدرًا للتقدير الاجتماعي.

ولا يعني تحمل الكلفة أن كل مناضل يجب أن يذهب إلى السجن أو يفقد حياته أو يعيش في الفقر. هذه صورة رومانسية ضيقة للنضال. فقد تكون الكلفة في تخصيص الوقت، أو احتمال العزلة، أو خسارة بعض الفرص، أومواجهة الضغط النفسي، أو الاستمرار في البحث والتوثيق، أو المحافظةعلى الموقف الأخلاقي في بيئة تكثر فيها المساومات. وتختلف الكلفةباختلاف موقع الإنسان وظروفه، لكن لا يكاد يوجد نضال حقيقي بلا نوع من الالتزام يتجاوز الراحة الشخصية.

هل يشترط أن يكون المناضل في الداخل؟

يرى بعض الأحوازيين أن صفة المناضل لا تنطبق إلا على من يعيش داخل الأحواز، ويتحمل المخاطر المباشرة، أما من هاجر أو لجأ إلى الخارج فلا يتجاوز  في أفضل الحالات، صفة الناشط. وهذه الفكرة تستند إلى حقيقة لايمكن إنكارها: فالعمل في الداخل غالبًا ما يحمل مخاطر أمنية ونفسية وإجتماعية أكبر، كما أن من يعيش تحت الضغط المباشر يواجه واقعًا لايستطيع المقيم في الخارج أن يدّعي أنه يعيشه بالطريقة نفسها.

لكن الاعتراف بهذا الفارق لا يبرر اختزال النضال في الجغرافيا. فالمكان يؤثر في طبيعة الدور وفي حجم المخاطر، لكنه لا يكفي وحده لتحديد صدق الالتزام أو قيمته. قد يعيش إنسان في الداخل ولا يقدم للقضية شيئًا، وقد يعيش  آخر في المنفى ويكرس سنوات من عمره للدفاع الحقوقي، أو البحث، أو التوثيق، أو الإعلام، أو بناء المؤسسات، أو حفظ الذاكرة الوطنية.

إن الهجرة لا تحول الإنسان تلقائيًا إلى مناضل، كما أنها لا تنزع عنه هذه الصفة تلقائيًا. فالمعيار ليس عبور الحدود، بل ما يفعله الإنسان بعدعبورها. قد يبتعد شخص عن القضية تمامًا، وقد يحول آخر المنفى إلى مساحة  جديدة للعمل. وقد يصبح الخارج مجالًا للراحة والنسيان عند بعضعهم بينما يصبح عند آخرين موقعًا من مواقع المسؤولية.

ولهذا، فإن النضال لا يحدده المكان وحده، كما لا يحدده العمر أو الجنس أوالطبقة الاجتماعية. قد يكون المناضل في الداخل أو الخارج، رجلًا أو امرأة، شابًا أو كبيرًا في السن، غنيًا أو فقيرًا، عاملًا أو أكاديميًا. ما يجمع هذه الحالات ليس الموقع الاجتماعي، بل طبيعة الالتزام وتحوله إلى ممارسة مستمرة وواعية.

الفعل وحده لا يكفي: ما الدافع؟

لا يمكن تقييم الناشط أو المناضل من خلال المظهر الخارجي للفعل فقط. فقد يقوم شخصان بالعمل نفسه، لكن بدوافع مختلفة تمامًا. قد يكتب أحدهما عن القضية لأنه يرى الكتابة مسؤولية، بينما يكتب الآخر لأنها تمنحه جمهورًا أومكانة. وقد يدخل شخص مؤسسة من أجل خدمتها، بينما يدخلها آخر من اجل النفوذ. وقد يرفع اثنان الشعار نفسه، لكن أحدهما يراه مبدأ، والآخر يراه أداة.

وهنا تظهر أهمية السؤال الأخلاقي: هل يخدم الإنسان القضية، أم يستخدم  القضية؟

هذا السؤال لا يفترض أن الإنسان يجب أن يكون خاليًا تمامًا من الطموح الشخصي ؛ فذلك غير واقعي. قد يرغب الكاتب في أن يُقرأ، أو السياسي في أن يُنتخب، أو الناشط في أن يكون معروفًا. لكن الخطر يبدأ حين تصبح القضية  مجرد سلّم للمكانة، وحين يقبل الإنسان بإضعافها أو تقسيمها أوتشويهها حفاظًا على موقعه الشخصي.

ومن علامات النضج النضالي أن يستطيع الإنسان التمييز بين نجاحه الشخصي ونجاح القضية. فقد ينجح الفرد وتفشل القضية، وقد يتضخم اسمه بينما يضعف أثره. وقد يخسر الإنسان منصبًا أو شهرة، لكنه يترك أثرا نافعًا يخدم المجتمع. ولذلك لا يمكن قياس النضال بعدد المتابعين، ولا بكثرة  الظهور الإعلامي، ولا بالمناصب، بل بمدى التوافق بين الخطاب والسلوك وبين المصلحة الشخصية والمسؤولية العامة.

بين الناشط والمناضل مساحة واسعة

ليس الناس موزعين في صندوقين مغلقين: ناشط أو مناضل. بين المفهومين مساحة واسعة، ويتحرك الإنسان داخلها بحسب وعيه وتجربته واستمراريته. فقد يكون الشخص مهتمًا لكنه غير ناشط، أو ناشطًا موسميًا، أو ناشطًا متخصصا، أو ملتزمًا طويل المدى، أو مناضلًا صاحب مشروع، أو قائدًا فكريا  أو تنظيميًا.

وقد ينتقل الإنسان من مرحلة إلى أخرى. تبدأ العلاقة بالقضية بسؤال، ثم تتحول إلى اهتمام، ثم إلى معرفة، ثم إلى مشاركة، ثم إلى التزام. وقد يحدث التراجع أيضًا؛ فيصاب المناضل بالإحباط، أو يتحول النشاط إلى عادة فارغة، أو تتحول القضية من رسالة إلى وسيلة شخصية.

لذلك لا ينبغي أن يسأل القارئ فقط: هل أنا ناشط أم مناضل؟ بل عليه أن يسأل أسئلة أكثر دقة:

هل عملي مستمر أم موسمي؟
هل أضيف معرفة أو أثرًا، أم أكرر ما يقوله الآخرون؟
هل أتحمل مسؤولية أخطائي، أم أتهم الجميع؟
هل أقبل النقد، أم أعتبره عداءً؟
هل يتوافق سلوكي مع القيم التي أدافع عنها؟
هل أبقى ملتزمًا حين لا أحصل على تقدير؟
وهل أستخدم إمكاناتي الحقيقية، أم أكتفي بما لا يكلفني شيئًا؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تمنح الإنسان لقبًا، لكنها تكشف له موقعه الحالي. والموقع الحالي ليس قدرًا نهائيًا؛ فقد يتقدم الإنسان، وقد يتراجع، وقد يعيد تعريف علاقته بقضيته. لكن البداية الحقيقية عندما يتوقف عن منح نفسه الصفات، ويبدأ بالنظر بصدق إلى أفعاله ودوافعه وأثره.

الناشط يُعرَف بالمشاركة، والمناضل يُعرَف بعمق الالتزام واستمراريته وتحمله للمسؤولية، مع رفض احتكار النضال داخل الأحواز أو ربطه بطبقة أو عمر أو جنس معين.