لم أكن أبحث عن أكثر من كتاب، لكنني خرجت بسؤال لم يتركني بعد ذلك اليوم.
في إحدى مكتبات دمشق، سألت البائع إن كان يملك كتابًا عن الأحواز، فسألني بهدوء: هل أنت عربي؟ أجبته بثقة: نعم. لم يناقشني، ولم يعترض، بل انتقل مباشرة إلى سؤال آخر، بدا في ظاهره بسيطًا، لكنه كان أعمق مما توقعت: ما معنى عربي؟
لم أجد صعوبة في السؤال، لكني لم أجد جوابًا واضحًا أيضًا. قبل أن أستجمع فكرتي، بدأ يطرح سلسلة من الأسئلة التي لم تكن تبحث عن معلومات، بل كانت تهدم المسلمات التي لم أكن قد فكرت فيها أصلًا. سألني لماذا نصف الحصان بالعربي، وهل العرب هم من خلقوه، ولماذا يُنسب الطب إلى العرب، وهل هم من ابتكروه، ولماذا يُقال البيت عربي، وماذا يعني وصف القرآن بأنه عربي غير ذي عوج. لم يكن ينتظر مني إجابات، بل كان يدفعني إلى إدراك أنني أستخدم كلمات كبيرة دون أن أمتلك معناها الحقيقي.
في تلك اللحظة، لم أشعر أنني أمام بائع كتب، بل أمام مرآة كشفت فراغًا لم أكن أراه. كل ما كنت أعتقد أنه ثابت، بدأ يتحرك، وكل ما كنت أظنه واضحًا، أصبح بحاجة إلى إعادة فهم. لم يكن التغيير صدمة عاطفية، بل تحولًا عميقًا في طريقة التفكير، جعلني أدرك أن المشكلة لا تكمن في قلة ما نعرف، بل في طريقة تعاملنا مع ما نعتقد أننا نعرفه.
حين عدت إلى القراءة بعد ذلك اللقاء، لم أكن أبحث عن معلومات إضافية، بل كنت أبحث عن معنى. ومع كل صفحة، بدأت أرى أن الهوية ليست كلمة تُقال، ولا شعورًا يُستدعى عند الحاجة، بل هي بناء يحتاج إلى وعي وتنظيم، وأن القضايا، مهما كانت عادلة، يمكن أن تبقى في مكانها إذا لم تتحول إلى مشروع واضح المعالم.
هذا التحول الشخصي فتح أمامي سؤالًا أكبر من مسألة الهوية الفردية، وهو السؤال المتعلق بالقضية الأحوازية نفسها. كيف يمكن لقضية بهذا الوضوح، وهذا الامتداد التاريخي، وهذا الحضور في الوجدان، أن تبقى خارج التأثير السياسي الحقيقي؟ وكيف يمكن لكل هذا الوعي، وكل هذه التضحيات، أن لا تتجمع في إطار واحد قادر على التعبير عنها بشكل منظم؟
عند هذه النقطة، يصبح من الضروري التمييز بين امتلاك القضية، وبين القدرة على تقديمها. فامتلاك القضية لا يكفي إذا لم يُصاحبه فهم لطريقة تنظيمها، كما أن تكرار الحديث عنها لا يؤدي بالضرورة إلى تقدمها ما لم يتحول هذا الحديث إلى مسار. ولهذا، فإن التحدي لم يعد في إثبات عدالة القضية، بل في بناء الصيغة التي تجعلها قابلة للفهم السياسي، وقابلة للدخول في معادلات التأثير.
وإذا كانت بعض الحركات في المنطقة قد شهدت لحظات تحول مفاجئة، فإن ما ميّز تلك اللحظات لم يكن حجم الغضب، بل التغير في وعي الناس بأنفسهم وبقضيتهم، وانتقالهم من حالة الشعور إلى حالة الفعل. وهذا ما تحتاجه الحالة الأحوازية اليوم؛ ليس انفجارًا عاطفيًا جديدًا، بل إعادة ترتيب عميقة في طريقة التفكير، تقود إلى بناء مشروع يتجاوز التشتت، ويمنح القضية اتجاهًا واضحًا.
من هنا، لا يأتي هذا الطرح بوصفه خطابًا إضافيًا، بل محاولة لإعادة النظر في الأساس الذي نقف عليه، والانطلاق منه نحو صياغة نموذج سياسي يمكن أن يستوعب الواقع، وينظم عناصره، ويحوّل ما هو قائم إلى مشروع قابل للتطور. فالقضية التي لا تُعاد صياغتها ضمن إطار منظم، تبقى عرضة لإعادة إنتاج نفسها دون تقدم، بينما القضية التي تُبنى على وعي واضح، تستطيع أن تنتقل من الحضور في الذاكرة إلى الحضور في الواقع.
حاجات معرّب
باحث في المركز الاحوازي للإعلام و الدراسات الاستراتيجية
29/04/2026