كشفت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وما تلاها من عدوانإيراني سافر على دول الخليج العربي عن حقائق جرى تجاهلها عمدا من قبل المؤسسات ووسائل الإعلام العربية الرسمية وغير الرسمية.

إيران منذ الأزل، لم تكن يوما صديقة للعرب أو جارة يمكن الوثوق بها والتعايش معها، لا في فترة ما قبل الفتح الإسلامي حين كانت تعبد النار، ولا بعد الفتح الإسلامي وإسقاط الإمبراطورية الساسانية وتمظهرها بمظهر الاسلام. بل لطالما تربصت بالعرب، ولم تفوت فرصة إلا استهدفتهم وألحقت بهم الضرر.

بيد أن معظم وسائل الاعلام العربية كانت، وما زالت تروج لإيران وتبرر عدوانها وجرائمها ضد العرب والمسلمين، بل حتى ضد دولها العربية، تحت يافطات متعددة أبرزها معاداة إسرائيل رغم أن هذا المعاداة تبدوشكلية وانتقائية ولا تتجاوز حدود الصراع على النفوذ وتقاسم الفريسة. وقناة الجزيرة وتوابعها خير دليل على ذلك إذ أصبحت نسخة مطورة من قناة العالم الإيرانية ومنصة تمنح الإيرانيين وذيولهم كي يروجوا سردية الحرس الثوري ويعيدوا صياغة الواقع بما يخدم المشروع الإيراني في المنطقة وفي المقابل همشت الأصوات العربية المنتقدة للعدوان الإيراني ضد دول الخليج العربي وشكك في مواقفها ودوافعها.

وبعد انكشاف حقيقة إيران ومشروعها العدواني تجاه منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج العربي، وعقب عدوانها الغاشم واستهدافها المؤسسات والمنشئات المدنية والاقتصادية، تحرك الاعلام الخليجي، جزئيا وعلى استحياء، لمواجهة العدوان الإيراني وآلتها الاعلامية. وبالرغم من أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، ولكنها تظل محمودة تحسب لأصحابها إن استمروا بها.

ما يثير الاستغراب في هذا الصراع الوجودي الدائر بين إيران من جهة، ودول الخليج العربي من جهة أخرى، هو تجاهل الإعلام العربي المتعمد للقضية الأحوازية، والاكتفاء بعرض تيار سياسي أحوازي واحد مع تجاهل ساحة ثرية بتيارات واتجاهات سياسية متنوعة. فلا يمكن للعاقل اختزال القضية الأحوازية وتعقيداتها، والاكتفاء بما تعرضه قناتا العربية والحدث. هذا لا يعد خطأ سياسيا، بل خطيئة استراتيجية يدفع ثمنها الشعب الأحوازي. فلماذا الاعلام الخليجي بشقّيه المكتوب والمرئي لا يفتح المجال أمام الأحوازيين لإبراز قضيتهم وكشف حقيقة إيران كي يؤدي دورا محوريا في تشكيل الوعي العام، ونقل المعلومات، ومناقشة قضايا تهم المنطقة ومصيرها.

لا يمكن للإعلام الخليجي أن يؤدي رسالته الحقيقية ويكون منصفا للقضية الأحوازية إلا بجعل الأحواز قضيته الأولى، بعيدا عن الحسابات الآنية واعتبارات التغطية الموسمية أو ردود الفعل المرتبطة بتطورات محددة. التناول الجاد للقضية الأحوازية لا يقتصر على نقل الأخبار أو استضافة أصوات محدودة، بل يقتضي تقديم صورة متكاملة عن تاريخ الأحواز وهويتها العربية، وما يواجهه شعبها من سياسات التهميش والقمع وتغيير الواقع الديموغرافي والثقافي. كما يتطلب إتاحة المجال لمختلف التيارات والشخصيات الأحوازية، بما يعكس تعدد الرؤى ويمنح المتلقي قدرة أكبر على فهم القضية بعيدا عن الانتقائية والاختزال. ويستطيع الإعلام الخليجي، عبر التحقيقات الموثقة والبرامج الحوارية والتقارير الميدانية والشهادات الإنسانية، أن يوضح الصلة بين القضية الأحوازية وأمن الخليج العربي واستقراره، وأن يكشف أثر الثروات والموارد الأحوازية في دعم سياسات إيران ومشروعها التوسعي في المنقطة. وبذلك لا تتحول الأحواز إلى مادة عابرة في نشرات الأخبار مثلما يحدث الآن، بل تصبح قضية حاضرة في الوعي العام الخليجي، تستند معالجتها إلى المهنية والإنصاف واستمرارية المتابعة.

رغم ما تشهده الآن منطقة الشرق الأوسط من أحداث دراماتيكية وتحديات استراتيجية، فإنها تحمل في طياتها فرصة تاريخية قد لا تتكرر على المديين القريب والمتوسط. فإيران في أضعف حالاتها، ومخلخلة داخليا، وأذرعها تعاني نقص الإمدادات وشح الأموال، كما أن سرديتها السياسية فقدت كثيرا من بريقها وقدرتها التأثيرية على الرأي العام العربي.

لذلك بات من المهم أن يعيد الإعلام الخليجي تقييم تناوله للقضيةالأحوازية، ويفتح لها مساحة أوسع لعرض أبعادها وتعدد رؤاها، بمايعزز فهمها وتأثيرها السياسي، بعيدا عن الاختزال والاقصاء