لعبة الوقت والقوة: هل تنجح إيران في المناورة وفرض وقائع جديدة على خصومها؟

شهدت المنطقة حربًا كان الجانب الإيراني الأكثر خسارةً فيها، إذ خسر العشرات من كبار قياداته، وعلى رأسهم المرشد خامنئي ورئيس الأمن القومي علي لاريجاني. ولن تتوقف الخسائر الإيرانية عند هذا الحد، لأن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي وجّها ضربات قاسية للمنشآت الاقتصادية الإيرانية، مما ترك أثرًا كارثيًا على الوضع الاقتصادي في إيران.

دخلت الحرب في حالة من الهدنة بعد أن طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجانب الإيراني بالموافقة على الشروط التي تفرضها الحكومة الأمريكية، وهو الأمر الذي تحاول السلطات الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري، تجنّب الموافقة عليه.

قبل الدخول في هذه الحرب، كانت لدى إيران بعض الأوراق التي تتحصّن بها، منها الميليشيات التي زرعتها في المنطقة. ولم تكن الحكومة الأمريكية غافلة عن هذه الميليشيات والمخاطر التي قد تسببها في حال الدخول في حرب مع إيران. لذلك، وقبل التحرك لضرب إيران، عملت على تحييد هذه الميليشيات أو إضعافها، وذلك بالتنسيق المباشر مع الجانب الإسرائيلي.

نجد أن إسرائيل من جانبها قامت بهذا الدور على أفضل وجه، إذ عملت على تدمير حماس بشكل كبير، فضلًا عن استهداف عدد من قيادات الحركة، ومنهم إسماعيل هنية في الخارج (طهران)، حتى ضمنت خروج حماس من الحسابات. ثم توجه الجيشان الإسرائيلي والأمريكي لتنفيذ ضربات قاسية ضد ميليشيا الحوثي، حتى أُجبرت هذه الميليشيا على رفع الراية البيضاء والاستسلام للمطالب الأمريكية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ وجّه الجانب الإسرائيلي ضربة موجعة لحزب الله في لبنان بعد استهداف زعيمه حسن نصر الله، وقتل المئات من أعضائه في العملية التي عُرفت بتفجيرات "البيجر".

كما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدرك خطورة الرئيس الفنزويلي مادورو بعد أن دعمته إيران بخمسة آلاف صاروخ جاهزة للانطلاق باتجاه أمريكا، لذلك كان لا بد من التخلص من هذا الخطر، وهو ما أدى إلى تحرك ما يُعرف بصقور الأمريكيين لاختطافه مع زوجته ونقله إلى الولايات المتحدة، لتنتهي آخر ورقة أو ميليشيا يمكن أن تستغلها إيران في حربها ضد الأمريكيين.

تضغط الولايات المتحدة الأمريكية على السلطات الإيرانية للقبول بالشروط التي تريدها، خاصةً بعد أن لم يعد لدى إيران أي ورقة ضغط فعالة.

وقبل الدخول في الهدنة، استغلت السلطات الإيرانية مضيق باب السلام (هرمز) للضغط على أسواق النفط العالمية، ظنًا منها بإمكانية فرض شروطها على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن هذه الورقة انقلبت ضدها بعد إعلان الولايات المتحدة فرض حصار بحري على السفن الإيرانية، وهو ما يعني توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني المتدهور أصلًا.

في هذه الحالة، لا تمتلك إيران أي خيار سوى عامل الزمن، الذي تحاول المناورة من خلاله. إذ تعتقد السلطات الإيرانية أن الاستمرار في مقاومة الضغوط الأمريكية لفترة أطول قد يفتح بابًا لانفراجة ما. لذلك، نجد أنها في كل مرة تُستدعى فيها للمحادثات، إما تؤجل الحضور، أو تطرح شروطًا تدرك مسبقًا أن الولايات المتحدة لن توافق عليها، مما يؤدي إلى تأجيل المفاوضات، وهو ما تسعى إليه.

يعرف الإيرانيون تمامًا أنهم غير قادرين على فرض شروط على الولايات المتحدة، لذلك يحاولون استغلال حاجة بعض الدول الكبرى للنفط، وعلى رأسها الصين والهند واليابان، من خلال دفعها لممارسة الضغط على واشنطن. ومع ذلك، فإن الرئيس الأمريكي، حتى هذه اللحظة، لم يُبدِ أي تراجع أمام هذه الضغوط، بل على العكس، صعّد من إجراءاته بفرض حصار بحري لا يقتصر على السفن الإيرانية فحسب، بل يشمل أيضًا السفن التي تتعامل اقتصاديًا مع إيران، مما تسبب في أزمات طاقة لدى تلك الدول.

وفي النهاية، يدرك الإيرانيون أن الولايات المتحدة من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، لن تقبلا بأقل من تغيير النظام، ولذلك يرفضون الاستسلام، ويفضّلون الاستمرار في المواجهة، حتى وإن كان ذلك على حساب إيران أرضًا وشعبًا.