حين يسألنا أحد عن تاريخ ولادتنا، نجيبه عادة بيوم وشهر وسنة، وربما نحكي له إن أردنا شيئاً من التفاصيل عن المدينة أو القرية التي ولدنا فيها، وعن الأسرة التي استقبلتنا، وعن الظروف التي أحاطت بقدومنا إلى هذه الحياة. هكذا تعلمنا أن نفهم الولادة؛ لحظة يخرج فيها الإنسان من رحم أمه إلى العالم، ثم يبدأ بعد ذلك عمره الذي نحسبه بالسنوات.
لكنني كلما تقدمت في العمر، وكلما عدت بذاكرتي إلى بعض المواقف التي مررت بها، بدأت أرى أن الإنسان ربما لا يولد مرة واحدة، وأن ولادة الجسد لست بالضرورة الولادة الوحيدة التي تستحق أن يكون لها تاريخ في حياتنا. هناك لحظات تمر بنا فتولد فينا فكرة لم تكن موجودة، ولحظات أخرى تفتح أمامنا سؤالاً لم يخطر لنا من قبل، وقد نشهد موقفاً يولد فينا ضميراً جديداً، أو نلتقي بشخص يقول جملة بسيطة ثم يمضي، بينما تبقى جملته معنا سنوات طويلة وتغير شيئاً في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا والعالم من حولنا.
وربما تكمن غرابة هذه الولادات في أننا، على خلاف ولادتنا الأولى، لا نعرف في لحظة حدوثها أننا نولد من جديد. فقد يجلس الإنسان في صف دراسي ويسمع كلمة، أو يدخل مكتبة ويتحدث مع رجل لا يتوقع أن يغير سؤال منه مسار تفكيره، أو تصله أخبار أناس لم يلتقِ بهم في حياته، ثم تمر السنوات قبل أن يكتشف أن تلك اللحظة كانت فاصلاً بين شخص كان قبلها وشخص من بعدها.
ولهذا، لا أريد أن يكون هذا المقال سيرة ذاتية أروي فيها مراحل حياتي بالترتيب ولا أريد أن أقدم فيه نفسي باعتباري إنساناً وصل إلى أجوبة نهائية عن الأسئلة التي واجهته. ما أريده أبسط من ذلك وربما أصعب؛ أن أعود إلى بعض اللحظات التي أستطيع اليوم أن أقول إن شيئاً ما وُلد في داخلي خلالها، وأن أحاول أن أفهم ماذا صنعت تلك الولادات بي، وكيف يمكن لجملة أو سؤال أو حادثة أن تغير مسار تفكير الإنسان من دون أن يدرك ذلك في حينه.
وربما يستطيع القارئ، وهو يقرأ ولاداتي، أن يترك قصتي للحظات ويسأل نفسه عن ولاداته هو أيضاً: متى وُلد أول سؤال حقيقي في داخله؟ ومتى بدأ يشك في شيء كان يعتقد أنه من المسلمات؟ ومتى تحولت معرفته من معلومة يعرفها إلى موقف يشعر بمسؤوليته تجاهه؟ وكم مرة مر في حياته بلحظة لم يعرف قيمتها إلا بعد سنوات؟
هذه بعض ولاداتي التي ما زلت أتذكرها.
الولادة الأولى: ولادة الوعي
كنت في الخامسة عشرة من عمري، أدرس في الصف الثاني المتوسط في مدينة الخفاجية، وكان ذلك في نهاية فصل الربيع تقريباً، ونحن على مشارف استقبال صيف الأحواز المعروف بحرارته الشديدة. وفي أحد الأيام، وبينما كنا جالسين في الصف مع زملائنا، انقطعت الكهرباء كعادتها، فتوقفت المراوح وبدأ الحر يشتد داخل الفصل، ولم يكن أمامنا سوى انتظار عودة الكهرباء ومحاولة احتمال الجو الخانق الذي كنا قد اعتدنا عليه إلى حد ما.
وسط تلك الأجواء بدأ أحد زملائنا يتحدث. كان طالباً جديداً في الصف، انتقل من مدينة الأحواز ليستقر مع عائلته في الخفاجية، ولا أريد أن أذكر إسمه هنا. كان يتحدث متذمراً من انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع، ثم قال جملة ربما قالها بعفوية واستمر بعدها في حديثه، لكنها بالنسبة إليّ لم تمر بالطريقة نفسها التي مرت بها بقية كلماته. قال: «نحن كنا دولة، وكنا أفضل حتى من بعض دول الخليج اليوم، والآن لا يكاد يمر يوم من دون أن تنقطع عنا الكهرباء».
لا أتذكر كل ما قاله بعد ذلك، لأنني تعلقت بكلمتين فقط: «كنا دولة». بقيت أكررهما في داخلي وأنا جالس في مكاني: كنا دولة؟ من هم «نحن» الذي يتحدث عنهم؟ وأية دولة كانت لنا؟ ولماذا لم أسمع عنها من قبل؟ وإذا كان يقصد أننا نحن الأحوازيين كنا دولة، فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى إيران التي كنت أعيش فيها وأدرس تاريخها في المدرسة؟ ومن سؤال إلى آخر وصلت إلى سؤال كان أكثر حساسية بالنسبة إليّ في ذلك العمر: إذا كنا نحن عرباً، فلماذا ندرس كل شيء باللغة الفارسية؟
هذه الأسئلة تبدو اليوم، بعد كل هذه السنوات، طبيعية وربما بديهية، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة إلى فتى في الخامسة عشرة من عمره نشأ في بيئة لم يكن من السهل فيها طرح مثل هذه الأسئلة، خصوصاً أننا كنا قد خرجنا للتو تقريباً من ثماني سنوات من الحرب الإيرانية العراقية، وهي حرب لم أقرأ عنها في كتاب، بل دخلت إلى طفولتي وأنا في السابعة من عمري وعشت بعض أحداثها بعيني.
أتذكر قصف مدينة الخفاجية، ورأيت ما خلّفه القصف من قتلى وجرحى بين المدنيين، كما شهدت دخول الجيش العراقي إلى قريتنا أبو حميظة واضطررنا إلى الهرب منها بحثاً عن مكان أكثر أمناً، وفقدت في تلك الحرب جدي والد والدتي. ومع ذلك كله، لم أكن أعرف لماذا اندلعت الحرب أصلاً، ولا أفهم الحسابات السياسية التي تقف خلفها؛ كنت طفلاً يرى الطائرات والقصف والجنود والخوف الذي يصيب الكبار، ثم يحاول أن يبني من كل ذلك فهماً بسيطاً للعالم من حوله.
وكانت هناك مفارقة أخرى في داخلي لم أكن قادراً آنذاك على تفسيرها. كنت أستمع إلى الأناشيد العربية العراقية فتجذبني وأتأثر بها، وأشعر بالفرح عندما أسمع عن انتصار للجيش العراقي وبالحزن عندما أسمع عنه هزيمته، وفي الوقت نفسه كنت أعيش في بيئة إيرانية مشحونة بتعبئة الحرب، وأسمع باستمرار ما كان يسمى بالفارسية «نوحه»، وكان من أشهر أصواتها في تلك الفترة صادق آهنگران، وكان الخطاب اليومي الذي يصل إلينا من المدرسة والإعلام والمجتمع يدور حول الدفاع عن الوطن في مواجهة المعتدي وواجب المشاركة في هذا الدفاع.
وقد وصل تأثير تلك التعبئة فيّ إلى درجة أنني، وأنا في الصف الخامس الابتدائي سجلت اسمي للذهاب إلى جبهات القتال. كنت صغيراً جداً بالطبع، وتم رفضي بسبب عمري، وأعتقد أيضاً بسبب بنيتي الجسدية، والحمد لله أنني لم أذهب. وأذكر هذه الحادثة اليوم ليس لأقول إنني كنت أفهم معنى الحرب أو أعرف ما أفعله، بل لأوضح مقدار التناقض الذي كان يعيش فيه ذلك الطفل: من جهة يتأثر بالأناشيد العراقية ويفرح لانتصار العراق ومن جهة أخرى يسجل اسمه للذهاب إلى الجبهة للدفاع عن إيران. لم أكن أرى التناقض، لأنني ببساطة لم أكن أملك المعرفة التي تسمح لي بفهمه.
ولهذا جاءت جملة ذلك الزميل في الصف كأنها فتحت نافذة صغيرة في جدار كان مغلقاً أمامي: «نحن كنا دولة». لم تجعلني تلك الجملة في لحظتها أفهم تاريخ الأحواز، ولم تجعلني أتبنى موقفاً سياسياً كاملاً، لكنها فعلت شيئاً ربما كان أهم من ذلك كله؛ جعلتني أسأل. بدأت أبحث بقدر ماكان متاحاً لي عن الأحواز وتاريخها، وعن علاقتها بإيران، وعن عام 1925، وعن سبب غياب لغتنا العربية عن المدرسة، وعن معنى التفريس، وبدأت أكتشف شيئاً فشيئاً أن هناك تاريخاً آخر لم أكن أعرفه، وأن الأسئلة التي أخاف من طرحها على الآخرين يمكنني على الأقل أن أطرحها على نفسي وابحث عن أجوبتها.
ولهذا، عندما أعود اليوم بعد كل هذه السنوات إلى ذلك الصف الحار في الخفاجية، وإلى الكهرباء المنقطعة، وإلى ذلك الزميل الذي ربما لا يتذكر هو نفسه الجملة التي قالها، أجد أن شيئاً وُلد في داخلي في ذلك اليوم. لم يكن نضالا، ولم يكن فكراً سياسياً ناضجاً، ولم يكن معرفة مكتملة بتاريخ الأحواز ؛ كان أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه.
كانت تلك، كما أفهمها اليوم، ولادة الوعي، أو ربما ولادة الفطنة التي جعلتني للمرة الأولى أشك في الرواية الجاهزة وأسأل نفسي: من نحن؟
الولادة الثانية: حين أصبحت كلمة «عربي» سؤالاً
مرت السنوات بعد ذلك، واتسعت الحياة أمامي، وحملتني ظروفها في نهايةالمطاف بعيداً عن الأحواز إلى دمشق، المدينة التي عشت فيها مرحلة مختلفة تماما من حياتي، وكان فيها من القلق والانتظار والعمل والاحتكاك بأناس من خلفيات مختلفة ما جعلها هي الأخرى مدرسة من نوع آخر.
وفي دمشق حدث معي لقاء بقي أثره في ذهني، ليس بسبب أنني كنت أبحث يومها عن إجابة لسؤال كبير، وإنما لأن السؤال جاءني من حيث لم أكن أتوقع. التقيت بالأستاذ خالد محمد حمد، مدير مكتبة دار يعرب، وخلال الحديث سألني عن معنى كلمة «عرب»، ثم أخذ الحديث يتفرع إلى أسئلة أخرى من بينها: لماذا نقول الطب العربي؟ وما الذي نقصده عندما نصف علما أو فكراً أو حضارة بأنها عربية؟
ربما كانت كلمة «عربي» بالنسبة إليّ حتى تلك اللحظة من أكثر الكلمات وضوحا في حياتي. كنت أعرف أنني عربي، وأن لغتي العربية، وأن لي إنتماء عربياً، وعشت منذ صغري صراعاً يتعلق أصلاً بهذه الهوية، ولذلك لم يخطر في بالي كثيراً أن أتوقف أمام الكلمة نفسها وأسأل عن معناها. نحن أحيانا نعتقد أننا نفهم الأشياء لأننا اعتدنا أسماءها، لكن الاعتياد على الكلمة لا يعني بالضرورة أننا فكرنا في مضمونها.
ذلك السؤال البسيط جعلني أراجع كلمة كنت أستخدمها منذ طفولتي وكأنني أسمعها للمرة الأولى. ما معنى أن يكون الشيء عربياً؟ هل المسألة لغة فقط؟ أم أن هناك بعداً ثقافياً وحضارياً وفكرياً أوسع؟ وكيف تشكل هذا المفهوم عبر التاريخ؟ ولماذا استُخدمت كلمة «عربي» في وصف علوم ومراحل حضارية بأكملها؟
ومن هنا انتقل ذهني إلى سؤال آخر كان أكثر عمقاً بالنسبة إليّ: القرآن العربي. فالقرآن نفسه يصف نفسه في أكثر من موضع بأنه قرآن عربي، وهنا بدأت أتساءل: لماذا هذا التأكيد على العروبة؟ هل المقصود فقط أنه نزل باللغةالعربية حتى يفهمه العرب الذين نزل بينهم، أم أن هناك شيئاً أوسع يستحق البحث والتأمل؟
لم أخرج من ذلك اللقاء بنظرية مكتملة عن العروبة، ولم أحصل على جواب نهائي حملته معي وانتهى الأمر. الذي حصل في الحقيقة هو العكس تماماً؛ خرجت بأسئلة أكثر مما دخلت به، وربما لهذا بقي اللقاء في ذاكرتي. بعض الناس يتركون في حياتنا أجوبة، وبعضهم يقدم لنا ما هو أثمن منها: سؤالاً يجعلنا نعيد النظر في أمر كنا نظنه مفهوماً.
وأعتقد أن الفرق كبير بين أن تقول «أنا عربي» لأنك ولدت عربياً، وبين أن تبدأ رحلة لفهم ماذا تعني العروبة تاريخياً وفكرياً وحضارياً، وما الذي يجمع الناس تحت هذا الاسم، وما الذي هو ثقافي فيه وما هو لغوي وما هو سياسي وما هو إنساني.
لهذا لا أستطيع أن أقول إن عروبتي وُلدت في دمشق؛ فعروبتي كانت جزءاً من هويتي قبل أن أصل إليها بسنوات طويلة، بل إن جزءاً من أسئلتي الأولى في الأحواز كان متعلقاً أصلاً بكوننا عرباً ونُحرم من الدراسة بلغتنا. لكن الذي وُلد في ذلك اللقاء كان شيئاً مختلفاً: انتقلت العروبة عندي من كونها هوية أنتمي إليها إلى مفهوم أريد أن أفهمه وأبحث فيه وأناقشه.
وقد أسمي تلك اللحظة اليوم ولادة الفكر العربي في داخلي، أو على الأقل ولادة الرغبة في أن أفهم عروبتي بدلاً من أن أكتفي بلانتساب إليها.
الولادة الثالثة: حين تحولت القضية من شعور إلى التزام
أما الولادة الثالثة فقد جاءتني بطريقة أشد قسوة، ولم تبدأ من سؤال فكري هذرهالمرة، وإنما من خبر إنساني آلمني بطريقة ما زلت أشعر بها كلما عدت إلى تفاصيله.
كنت قد وصلت إلى أستراليا وبدأت مرحلة جديدة من حياتي عندما وصل خبر إعدام ثلاثة أشقاء أحوازيين هم عبد الرحمن وطه وجمشيد حيدريان. لم أكن قد التقيت بأحد منهم، ولم تكن لي بهم معرفة شخصية، ولم أسمع أسمائهم قبل ذلك بما يكفي لأقول إن بيني وبينهم علاقة، لكن الخبر احتوى على تفصيل لم أستطع أن أتجاوزه: ثلاثة إخوة أشقاء، من أب واحد وأم واحدة، شباب لم يكن بينهم فارق كبير في السن، ولم يكن أي منهم قد تجاوز الثلاثين تقريباً، أُعدموا في القضية نفسها.
منذ اللحظة التي سمعت فيها الخبر لم أستطع أن أفكر فيه باعتباره خبراً سياسياً آخر يضاف إلى أخبار الاعتقالات والمحاكمات والإعدامات التي كنا نسمعها عن الأحواز. الصورة التي تشكلت في رأسي كانت صورة العائلة. حاولت أن أتخيل أماً تفقد ثلاثة من أبنائها، وأباً يُسلب منه ثلاثة أبناء دفعة واحدة، وأطفالاً يصبح آباؤهم في خبر من الماضي، وبيتاً تدخل إليه الفاجعة ثلاث مرات في اللحظة نفسها.
وبغض النظر عن التهم التي وجهتها السلطات الإيرانية إليهم، كان السؤال الإنساني بالنسبة إليّ أكبر من ذلك كله: كيف يمكن لأي منظومة قضائية أن تصل إلى لحظة تعدم فيها ثلاثة أشقاء من العائلة نفسها، في وقت واحد تقريبا ، من دون أن تتوقف أمام الحجم الإنساني للكارثة التي تتركه وراءها ؟ كيف يستطيع القانون، حين ينفصل تماماً عن الرحمة وعن قيمة الإنسان ، أن يتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى آلة قادرة على تحطيم عائلة كاملة؟
ربما كنت قد عرفت قبل ذلك الكثير عن القضية الأحوازية، وربما حملت مشاعر الغضب والحزن تجاه ما يحدث في الأحواز، لكنني أدركت بعد ذلك الخبر أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن الإنسان يستطيع أن يتابع الأخبار سنوات ويتحدث عنها ويغضب لها، لكنه يبقى في مكانه ما لم تتحول معرفته في لحظة ما إلى مسؤولية شخصية.
اجتمعنا نحن الأحوازيين المقيمين في أستراليا وتناقشنا في الأمر، وجرى تنسيق بين الموجودين في ولايات مختلفة، ثم اتخذنا قراراً بالذهاب إلى العاصمة الأسترالية كانبيرا والوقوف أمام السفارة الإيرانية للاحتجاج وإعلان رفضنا لما جرى. بالنسبة إلى بعض الناس قد يبدو الوقوف أمام السفارة لساعات قليلة عملاً رمزياً لا يغير شيئاً على الأرض، وربما يكون هذا صحيحا إذا نظرنا فقط إلى النتائج المباشرة، فالاحتجاج لم يكن قادراً على إعادة من أُعدم إلى الحياة، ولا على فتح أبواب السجون في الأحواز.
لكنني مع مرور الوقت فهمت أن قيمة بعض المواقف ليست فقط فيما تستطيع تغييره في خصمك، وإنما أيضاً فيما تغيره فيك أنت.
عندما يترك الإنسان بيته وعمله وعائلته، ويقطع مئات وربما آلاف الكيلومترات من ولاية إلى أخرى حتى يقف أمام سفارة ويعلن موقفه علناً، فهو لا يفعل الشيء نفسه الذي كان يفعله عندما كان يقرأ خبراً ويتألم ثم يعود إلى حياته. هناك انتقال يحدث في داخله، من مرحلة الشعور بالقضية إلى مرحلة قبول جزء من مسؤوليتها.
ومن تلك الوقفة الأولى استمرت مشاركاتنا واحتجاجاتنا في كانبيرا في مناسبات مختلفة، وكنا نقطع تلك المسافات لكي نقول إن بعدنا الجغرافي عن الأحواز لم يُنهِ علاقتنا بها، وإن الوصول إلى بلد آمن لا يعني أن يتحول لم يحدث لشعبنا إلى خبر بعيد لا يعنينا.
ولا أريد أن أضخم دوري في ذلك كله، ولا أن أكتب عن هذه المرحلة وكأنني كنت وحدي في الميدان؛ فقد كانت هناك مجموعة من الأحوازيين يتحركون ويتحملون المشقة نفسها، وكل واحد منهم يحمل قصته وأسبابه. لكنني حين أتكلم عن نفسي أستطيع أن أقول إن قضية الإخوة الحيادر أحدثت في داخلي تحولاً واضحاً.
فالقضية كانت موجودة قبلهم، والوعي كان موجوداً قبلهم، والغضب أيضاً كان موجوداً، لكن الذي أصبح مختلفاً بعد ذلك هو أنني بدأت أشعر بأن من يعرف شيئاً عن الظلم ثم يختار الصمت الكامل تجاهه يدخل في سؤال أخلاقي مع نفسه.
ولهذا أعتقد أن تلك الحادثة كانت بالنسبة إليّ ولادة الالتزام؛ اللحظة التي بدأت أفهم فيها أن السؤال ليس فقط: ماذا أعرف عن قضيتي؟ ولا حتى: ماذا أشعر تجاهها؟ وإنما: ماذا أفعل بما أعرفه وما أشعر به؟
هل نعرف حقاً متى وُلدنا؟
عندما أضع هذه المحطات الثلاث إلى جانب بعضها، أجد شيئاً يثير إنتباهي لم تقع أي واحدة منها بالطريقة التي نتخيل بها عادة أن الأحداث المصيرية تقع في حياة الإنسان. لم يكن هناك في الأولى زعيم سياسي خطب أمامي، وإنما طالب مراهق يجلس معي في صف حار انقطعت عنه الكهرباء. وفي الثانية لم أكن أحضر مؤتمراً فكرياً كبيراً، وإنما كنت أتحدث مع مدير مكتبة فسألني عن معنى كلمة أستعملها كل يوم. وفي الثالثة لم أعرف الأشخاص الذين تسبب خبرهم في هذا التحول في داخلي، وإنما وصلتي أسماؤهم من وطن أصبح بعيداً عني آلاف الكيلومترات.
ومع ذلك، فإن هذه التفاصيل الصغيرة نسبياً تركت آثاراً أكبر من أحداث كثيرة كنت أعتقد في وقتها أنها أهم.
ربما لهذا بدأت أؤمن بأن الإنسان لا يصنعه دائماً الحدث الكبير، وإنما قد تصنعه الجملة التي يسمعها داخل الحدث، أو السؤال الذي يبقى معه بعد إنتهاء اللقاء، أو الصورة التي لا يستطيع إخراجها من رأسه بعد أن ينتهي الخبر.
وأنا عندما أكتب عن هذه الولادات اليوم لا أريد أن أقول للقارئ إن عليه أن يتبنى قناعاتي، ولا أن يعيش حياتي بالطريقة نفسها، ولا حتى أن يسمي ما مررت به بالأسماء التي اخترتها أنا. فقد يرى شخص آخر في الموقف نفسه شيئا مختلفاً تماماً. ما يعنيني هو الفكرة الأوسع: أن الإنسان يستطيع أن يعيش عشرات السنين من دون أن ينتبه إلى اللحظات التي صنعت شخصيته، وأن العودة إلى تلك اللحظات قد تساعده على فهم نفسه أكثر مما تساعده عشرات الصفحات التي يكتبها عن صفاته وآرائه.
وقد تكون هناك أيضاً ولادات لم أنتبه إليها بعد. ربما هناك يوم وُلد فيه الخوف في داخلي، ويوم آخر وُلدت فيه الشجاعة لمواجهته، وربما هناك لحظة ولدت فيها الثقة ولحظة أخرى مات فيها جزء منها. وربما ولدت الأبوة فيّ مرتين؛ مرة عندما جاء ابني إلى الحياة، ومرة عندما أدركت معنى أن تصبح حياة إنسان آخر جزءاً من مسؤوليتك. وربما للغربة ولادتها، وللفقد ولادته، وللسؤال الديني والفكري ولاداتهما، وللمصالحة مع النفس ولادة قد تأتي متأخرة جداً.
ولذلك أجد أن تاريخ الميلاد الذي نحمله في بطاقاتنا الرسمية يخبر الناس متى بدأ جسدنا حياته، لكنه لا يخبرهم متى بدأ وعينا، ولا متى تغير ضميرنا، ولا متى خرجنا من فكرة ودخلنا في أخرى، ولا متى أصبحنا أشخاصا لم نكن نعرف أننا قادرون على أن نصبحهم.
لقد وُلد جسدي مرة واحدة، مثل جميع البشر، لكنني عندما أعود إلى الطريق الذي قطعته أجد أنني ربما وُلدت مرات عديدة، وما زلت إلى اليوم لا أعرف إن كانت كل ولاداتي قد حدثت بالفعل أم أن بعضها ما زال ينتظرني في مكان ما من العمر.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يسأله الإنسان لنفسه: متى ولدت ؟
فهذا السؤال تجيب عنه شهادة الميلاد بسهولة.
السؤال الأصعب، والذي لا توجد وثيقة رسمية تستطيع الإجابة عنه، هو:
متى وُلد وعيي؟ وما الموقف الذي ولد ضميري؟ وأي سؤال غيّرني؟ وأية لحظة جعلتني أتحول من إنسان يعرف إلى إنسان يشعر بالمسؤولية عما عرف؟
ثم يأتي السؤال الذي أتركه لكل من وصل إلى نهاية هذا المقال:
أنت تعرف تاريخ ولادتك الأولى… ولكن هل تعرف تواريخ ولاداتك الأخرى ؟