المبادئ السبعة التأسيسية للنموذج السياسي للأحواز
ميثاق عمل مرحلي لبناء مشروع سياسي جامع
إن المبادئ السبعة ليست مجرد عناوين تنظيمية، بل هي قواعد تأسيسية تُبنى عليها أي محاولة جدية لإخراج القضية الأحوازية من حالة التشتت إلى حالة المشروع السياسي المنظم. فكل مبدأ منها يعالج خللًا واقعيًا في الساحة الأحوازية، ويحاول أن يقدم له علاجًا سياسيًا قابلًا للفهم والتطبيق.
المبدأ الأول: أولوية المشروع الوطني الجامع
يقوم هذا المبدأ على فكرة مركزية، وهي أن القضية الأحوازية لا يمكن أن تتحول إلى مشروع سياسي مؤثر إذا بقيت الانتماءات الفرعية أعلى من الانتماء الوطني. فالمجتمع الأحوازي، مثل كثير من المجتمعات الشرقية، يتكوّن من قبائل، وعشائر، ومذاهب، ومناطق، وتيارات فكرية وسياسية. وهذه الانتماءات ليست عيبًا في ذاتها، بل هي جزء من الواقع الاجتماعي والتاريخي. غير أن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الانتماءات إلى بديل عن القضية، أو عندما تصبح معيارًا للحكم على الناس، أو سببًا للإقصاء والقطيعة.
المشروع الوطني الجامع لا يعني إلغاء القبيلة، ولا إلغاء المذهب، ولا إلغاء الاختلاف الفكري. بل يعني أن كل هذه الانتماءات يجب أن تدخل تحت سقف أعلى اسمه: القضية الأحوازية. فالأحوازي، قبل أن يكون ابن قبيلة معينة أو مذهب معين أو اتجاه سياسي معين، هو جزء من شعب له قضية، وله أرض، وله هوية، وله مستقبل سياسي يجب أن يُبنى بعقل جماعي.
مثال ذلك أن كثيرًا من حركات التحرر في العالم لم تنجح لأنها ألغت الانتماءات الداخلية، بل لأنها رتّبتها. في الجزائر مثلًا، لم يكن المجتمع الجزائري كتلة واحدة بلا اختلافات، لكن لحظة التحرر احتاجت إلى عنوان وطني أكبر من المناطق والقبائل والتيارات. وفي إريتريا أيضًا، لم يختفِ الاختلاف الديني بين المسلمين والمسيحيين، لكنه وُضع داخل إطار وطني أوسع.
في الحالة الأحوازية، إذا بقي الانتماء القبلي أو المذهبي أو الحزبي أعلى من الانتماء الوطني، فلن تنجح أي مبادرة سياسية. لأن كل خلاف صغير سيتحول إلى قطيعة، وكل اختلاف في الرأي سيُفسَّر كخيانة، وكل منافسة شخصية ستُلبس لباسًا وطنيًا. وهنا تضيع القضية بين النفوس والولاءات الضيقة.
لذلك، فإن أولوية المشروع الوطني تعني أن يكون السؤال الأول دائمًا:
هل هذا الموقف يخدم القضية الأحوازية أم يخدم جماعة أو قبيلة أو تيارًا فقط؟
إذا كان يخدم القضية، فهو جزء من المشروع. وإذا كان يخدم الولاء الضيق على حساب القضية، فيجب ضبطه سياسيًا وأخلاقيًا. وهذا هو أساس أي بناء وطني حقيقي.
المبدأ الثاني: تحويل البنية القبلية إلى إطار تمثيلي منظم
البنية القبلية في المجتمع الأحوازي حقيقة لا يمكن تجاهلها. ومن الخطأ التعامل معها كأنها مجرد مشكلة يجب إزالتها. فالقبيلة في المجتمعات العربية ليست فقط رابطة نسب، بل هي شبكة اجتماعية، ومصدر حماية، وذاكرة جماعية، وأحيانًا إطار للتضامن وحفظ العلاقات. لذلك، فإن أي مشروع سياسي يتجاهل القبيلة سيفشل في فهم المجتمع، وأي مشروع يجعل القبيلة بديلًا عن الوطن سيفشل في بناء الدولة أو التحرر.
المطلوب إذن ليس محاربة القبيلة، بل تنظيم دورها. فالقبيلة يمكن أن تكون عامل انقسام إذا استُخدمت للمنافسة والإقصاء، لكنها يمكن أن تكون عامل قوة إذا أُدرجت داخل إطار تمثيلي عادل. بمعنى أن المشروع السياسي الأحوازي يجب ألا يقول للقبائل: اختفوا. بل يقول لها: كونوا جزءًا من مشروع وطني أكبر.
في تجارب كثيرة، لم تُلغَ البنى التقليدية، بل أُعيد توظيفها. في الصحراء الغربية مثلًا، المجتمع الصحراوي له بنية قبلية واضحة، لكن القضية لم تُقدَّم للعالم كقضية قبائل متفرقة، بل كقضية شعب له ممثل سياسي. وهذا الفرق مهم جدًا. فالقبيلة بقيت موجودة اجتماعيًا، لكنها لم تعد هي العنوان السياسي النهائي.
في الحالة الأحوازية، يمكن للقبائل أن تلعب دورًا مهمًا في حماية النسيج الاجتماعي، ونقل الوعي، ومنع الفتنة الداخلية، وتوفير قاعدة شعبية للمشروع. لكن هذا يتطلب ألا تكون القبيلة فوق القانون السياسي، ولا فوق الميثاق، ولا فوق المصلحة الوطنية. فلا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى اصطفافات قبلية، ولا أن يُقاس الإنسان الأحوازي بقبيلته قبل كفاءته وموقفه.
التطبيق العملي لهذا المبدأ يكون عبر بناء تمثيل سياسي يراعي الواقع الاجتماعي دون أن يخضع له بالكامل. مثلًا، يمكن أن يكون هناك حضور اجتماعي للقبائل في المجلس أو الهيئة، لكن القرار النهائي يجب أن يكون مؤسسيًا، لا قبليًا. ويمكن الاستفادة من شيوخ ووجهاء القبائل في المصالحة وبناء الثقة، لكن دون أن يتحولوا إلى بديل عن المؤسسات السياسية.
بهذا المعنى، تصبح القبيلة جسرًا لا جدارًا. وتتحول من أداة للتنافس إلى أداة للتوازن. وهذا أحد أهم شروط نجاح أي نموذج سياسي أحوازي.
المبدأ الثالث: تحييد الانقسام المذهبي سياسيًا
الانقسام المذهبي من أخطر القضايا التي تواجه أي مشروع وطني، لأنه إذا دخل إلى السياسة من باب الولاء والاتهام، فإنه يدمّر الثقة من الداخل. وفي الحالة الأحوازية، لا يمكن إنكار وجود حساسيات مذهبية بين الشيعة والسنة، كما لا يمكن إنكار أن السلطة الإيرانية استفادت تاريخيًا من هذا الانقسام، وسعت إلى توظيفه بطريقة تمنع تشكّل مشروع وطني أحوازي جامع.
لكن التعامل مع هذه المسألة يحتاج إلى دقة شديدة. فالخطأ الأكبر هو أن يتحول المشروع الوطني إلى مشروع ضد مذهب معين. لأن ذلك سيمنح الخصم فرصة لتصوير القضية وكأنها صراع مذهبي، لا قضية شعب وأرض وهوية وحقوق سياسية. لذلك، فإن الحل ليس في مهاجمة الشيعي أو السني، بل في رفض تسييس المذهب وتحويله إلى معيار للولاء الوطني.
المبدأ هنا واضح:
المذهب شأن ديني واجتماعي، أما القضية الأحوازية فهي شأن وطني وسياسي.
بمعنى أن الأحوازي الشيعي ليس متهمًا بسبب مذهبه، والأحوازي السني ليس أكثر وطنية بسبب مذهبه. معيار الوطنية يجب أن يكون الموقف من القضية، لا الانتماء المذهبي. فمن يخدم المشروع الوطني فهو شريك، ومن يوظف المذهب ضد الوطن فهو جزء من المشكلة، أيًا كان مذهبه.
في التجربة الإريترية، كان هناك انقسام ديني بين المسلمين والمسيحيين، لكن المشروع الوطني لم يستطع التقدم إلا عندما قُدّمت الهوية الوطنية كإطار أعلى. لم يُطلب من المسلم أن يترك إسلامه، ولا من المسيحي أن يترك مسيحيته، بل طُلب من الجميع أن يكونوا شركاء في مشروع تحرر واحد.
وهذا ما تحتاجه الأحواز. فالقضية يجب أن تُبنى على عقد وطني واضح يقول: لا إقصاء مذهبي، ولا استغلال مذهبي، ولا ولاء خارجي على حساب القضية. كل مذهب محترم في مجاله الديني، لكن لا يحق لأي مذهب أن يحتكر الوطن أو يفرض نفسه كواجهة سياسية للقضية.
تطبيق هذا المبدأ يتطلب لغة دقيقة في الخطاب، وتمثيلًا متوازنًا، وميثاقًا يمنع التحريض المذهبي داخل العمل السياسي. كما يتطلب تفكيك فكرة أن الانتماء المذهبي يحدد تلقائيًا الموقف الوطني. فهناك موالون للسلطة من كل الخلفيات، وهناك وطنيون من كل الخلفيات أيضًا.
إذا نجح المشروع الأحوازي في تحييد المذهب سياسيًا، فإنه يسحب من الخصم إحدى أهم أدوات التفكيك الداخلي.
المبدأ الرابع: الفصل بين الهدف النهائي والبرنامج المرحلي
من أكبر أسباب ضعف العمل السياسي الأحوازي هو الخلاف حول السقف النهائي للقضية. فهناك من يطرح التحرير الكامل، وهناك من يتحدث عن تقرير المصير، وهناك من يدعو إلى الفيدرالية، وهناك من يركز على الحقوق القومية والثقافية. هذه الخلافات ليست بسيطة، لأنها تعكس تصورات مختلفة لمستقبل الأحواز. لكن الخطأ هو أن نجعل الخلاف حول النهاية سببًا لتعطيل البداية.
الفصل بين الهدف النهائي والبرنامج المرحلي يعني أن القوى المختلفة لا تحتاج في المرحلة الأولى إلى الاتفاق الكامل على كل شيء، لكنها تحتاج إلى الاتفاق على ما يمكن العمل عليه الآن. فليس من الضروري أن يحسم الجميع اليوم شكل الحل النهائي، لكن من الضروري أن يتفقوا على حماية الهوية، ورفض التغيير الديموغرافي، وتوثيق الانتهاكات، وبناء تمثيل سياسي، وإدخال القضية إلى المجال الإقليمي والدولي.
هذا المبدأ مهم جدًا لأنه يحوّل الخلاف من عائق إلى موضوع مؤجل ومنظم. بدل أن نقول: لن نعمل معًا حتى نتفق على النهاية، نقول: لنعمل معًا على المرحلة المشتركة، ثم نترك حسم النهاية لمؤسسات وتمثيل وآليات يشارك فيها الشعب أو ممثلوه لاحقًا.
في جنوب السودان، لم تبدأ القضية من الاستقلال مباشرة، بل مرت بمراحل: تمثيل، تفاوض، اتفاق، فترة انتقالية، ثم استفتاء. وهذا لا يعني أن نموذج جنوب السودان يُنسخ للأحواز، لكنه يعلّمنا أن القضايا السياسية الكبرى لا تُحسم دفعة واحدة، بل تُبنى بمراحل.
في الحالة الأحوازية، البرنامج المرحلي يمكن أن يشمل مثلًا: توحيد الخطاب، بناء هيئة سياسية جامعة، صياغة ملف دولي، التواصل مع الدول العربية، إنتاج خطاب إعلامي منضبط، بناء لجان قانونية وحقوقية، وتأسيس قاعدة شعبية في الداخل والخارج. هذه خطوات يمكن أن يتفق عليها من يطالب بالتحرير ومن يطالب بتقرير المصير ومن يطرح الفيدرالية، لأن كل هذه الخطوات تخدم تقوية القضية قبل حسم شكل الحل.
بهذا المبدأ، لا يتم إلغاء الخلاف، بل يتم تنظيمه. ولا يتم فرض رؤية واحدة بالقوة، بل يتم إنشاء مسار يسمح للجميع بالعمل تحت سقف مرحلي مشترك. وهذا هو الفرق بين السياسة الناضجة والسياسة العاطفية.
المبدأ الخامس: بناء تمثيل سياسي موحد وقابل للتعامل الدولي
لا يمكن لأي قضية أن تصبح سياسية من دون عنوان سياسي واضح. العالم لا يتعامل مع أصوات متفرقة، ولا مع بيانات متناقضة، ولا مع تنظيمات لا يجمعها إطار. العالم يسأل دائمًا: من يمثل هذه القضية؟ من يستطيع التحدث باسمها؟ من يملك برنامجًا؟ من يمكن التفاوض معه؟ من يمكن الوثوق به كشريك سياسي؟
في الحالة الأحوازية، المشكلة ليست في غياب الحركات، بل في غياب المرجعية الجامعة. هناك تنظيمات، وشخصيات، ومؤسسات، وناشطون، لكن لا يوجد إطار واحد يستطيع أن يقول للعالم: نحن نمثل الحد الأدنى من الإجماع الأحوازي. وهذا الغياب يجعل القضية تبدو غير ناضجة سياسيًا، حتى لو كانت عادلة ومظلومتها واضحة.
التمثيل الموحد لا يعني إلغاء جميع التنظيمات أو فرض قيادة واحدة بالقوة. بل يعني إنشاء إطار جامع يضم الأطراف المختلفة وفق ميثاق واضح، ويحدد طريقة اتخاذ القرار، وطبيعة الخطاب، وحدود الاختلاف. يمكن أن يكون هذا الإطار مجلسًا، أو هيئة تنسيقية، أو مؤتمرًا وطنيًا، أو ائتلافًا سياسيًا. المهم أن يكون له شكل، ونظام، وناطقون، وبرنامج، وآلية تمثيل.
في فلسطين، رغم تعدد الفصائل والخلافات العميقة، لعب وجود منظمة التحرير دورًا مهمًا في إعطاء القضية عنوانًا سياسيًا. وفي جنوب السودان، كانت الحركة الشعبية عنوانًا واضحًا للقضية في مرحلة معينة. وفي الصحراء الغربية، لعبت البوليساريو دور العنوان السياسي للقضية. مرة أخرى، لا نقول إن الأحواز يجب أن تنسخ أي نموذج، لكن القاعدة واضحة: لا سياسة بلا تمثيل.
لكي يكون التمثيل الأحوازي قابلًا للتعامل الدولي، يجب أن يتجنب اللغة العشوائية، وأن يمتلك خطابًا سياسيًا منضبطًا، وأن يعرف كيف يخاطب الداخل والخارج. يجب أن يميز بين خطاب التعبئة الشعبية وخطاب الدبلوماسية. ويجب أن يقدم نفسه كفاعل مسؤول، لا كصوت غاضب فقط.
هذا المبدأ هو قلب المشروع السياسي. فمن دون تمثيل، تبقى القضية صرخة. ومع التمثيل، يمكن أن تتحول إلى ملف.
⸻
المبدأ السادس: ترسيخ العمل المؤسسي وآليات إدارة الخلاف
من أخطر مشاكل العمل السياسي في المجتمعات غير المؤسسية أن الخلاف يتحول بسرعة إلى عداوة شخصية. يختلف شخصان في الرأي، فيقطع أحدهما التواصل مع الآخر. تختلف مجموعتان في التكتيك، فتبدأ الاتهامات. يتقدم شخص بمبادرة، فيُنظر إليه كخصم لا كشريك. هذا السلوك ليس مشكلة أخلاقية فقط، بل مشكلة سياسية قاتلة، لأنه يمنع تراكم العمل.
العمل المؤسسي يعني أن يكون هناك نظام فوق الأشخاص. يعني أن الخلاف لا يُدار بالمزاج، بل باللائحة. وأن القرار لا يُتخذ بالعلاقات، بل بالآلية. وأن من يختلف لا يُطرد من الذاكرة الوطنية، بل يبقى داخل الإطار ما دام ملتزمًا بالميثاق.
في الحالة الأحوازية، ضعف الخبرة المؤسسية واضح، وهذا طبيعي إلى حد ما بسبب القمع، والمنفى، والعمل السري، وغياب بيئة سياسية حرة. لكن الاعتراف بهذه المشكلة لا يكفي؛ يجب علاجها. والعلاج يبدأ ببناء مؤسسات صغيرة لكنها واضحة: لجنة سياسية، لجنة إعلامية، لجنة قانونية، لجنة علاقات خارجية، لجنة مصالحة داخلية، وآلية مكتوبة لإدارة الخلاف.
مثال بسيط: إذا اختلف أعضاء الهيئة حول بيان سياسي، يجب ألا يتحول الخلاف إلى انسحاب أو تخوين. بل تكون هناك آلية تصويت، أو لجنة مراجعة، أو حق اعتراض مكتوب. وإذا حدث خلاف بين تيارين، تكون هناك لجنة وساطة. وإذا أخطأ عضو، تكون هناك مساءلة واضحة، لا تصفية شخصية.
المؤسسة لا تلغي الخلاف، لكنها تمنع الخلاف من تدمير المشروع. وهذا هو الفرق بين العمل العاطفي والعمل السياسي.
أيضًا، المؤسسية تجعل العالم يأخذ القضية بجدية. عندما يرى الآخرون أن هناك بنية، ووثائق، ومحاضر، وناطقين، وخططًا، وآليات، سيتعاملون مع القضية باحترام أكبر. أما إذا رأوا صراعات شخصية وبيانات متناقضة، فسيعتبرون أن القضية غير جاهزة سياسيًا.
لذلك، فإن هذا المبدأ ليس إداريًا فقط، بل استراتيجي. لأن بناء المؤسسة هو بناء الثقة، وبناء الثقة هو شرط بناء القضية.
⸻
المبدأ السابع: اعتماد المسار السياسي إطارًا جامعًا للعمل
هذا المبدأ يجمع كل ما سبق. فالقضية الأحوازية بقيت طويلًا بين مسارين: مسار حقوقي يفضح الانتهاكات، ومسار أمني أو عسكري يعبّر عن الرفض والمقاومة. وكلا المسارين له أسبابه وسياقه، لكنهما وحدهما لا يصنعان مشروعًا سياسيًا كاملًا.
العمل الحقوقي مهم جدًا، لأنه يوثق الظلم، ويكشف السياسات، ويمنح القضية مادة قانونية وأخلاقية. لكنه ضعيف سياسيًا إذا بقي وحده، لأنه يجعل القضية تبدو كملف انتهاكات يحتاج إلى إصلاح، لا كقضية شعب تحتاج إلى حل سياسي. أما المسار الأمني، فهو في البيئة الدولية غالبًا يُرفض أو يُصنّف كتهديد، حتى لو كان أصحابه يرونه مقاومة. وهذا يجعله غير قادر على كسب الاعتراف السياسي الواسع.
لذلك، يحتاج المشروع الأحوازي إلى مسار ثالث جامع: المسار السياسي. هذا المسار لا يلغي الحقوقي، بل يستخدمه كأداة إثبات. ولا يدخل في منطق أمني يسهّل عزله، بل يقدّم القضية بلغة التمثيل، والتفاوض، والتحالفات، وتقرير المصير، والشرعية الدولية.
المسار السياسي يعني أن يكون هناك هدف، وقيادة، وميثاق، وخطة، وعلاقات، ولغة دبلوماسية. يعني أن يعرف المشروع ماذا يريد من العالم، وماذا يريد من العرب، وماذا يريد من الداخل الأحوازي، وماذا يريد من التنظيمات. يعني أن تتحول القضية من “مظلومية” إلى “ملف”.
في التطبيق، هذا يعني أن أي نشاط حقوقي يجب أن يخدم الملف السياسي. وأي خطاب إعلامي يجب أن يقوّي الرواية السياسية. وأي علاقة خارجية يجب أن تُبنى على مصالح واضحة. وأي خلاف داخلي يجب أن يُدار بحيث لا يهدم المسار العام.
هذا المبدأ هو الذي ينقل القضية من رد الفعل إلى الفعل. ومن الشكوى إلى المبادرة. ومن التشتت إلى المشروع.
الخاتمة
هذه المبادئ السبعة لا تدّعي أنها تحل كل مشكلات القضية الأحوازية دفعة واحدة، لكنها تضع الأساس الضروري لأي حل سياسي جاد. فهي تبدأ من الاعتراف بالواقع كما هو: قبائل، مذاهب، تنظيمات، اختلافات، ضعف مؤسسي، وتشتت في الأهداف. لكنها لا تتوقف عند هذا الواقع، بل تقترح طريقة لتنظيمه وتحويله إلى قوة.
فالهدف ليس بناء خطاب جميل، بل بناء عقل سياسي جديد للقضية الأحوازية؛ عقل يفهم أن التحرر لا يبدأ بالشعار وحده، بل بالمبدأ، والتنظيم، والتمثيل، والانضباط، والقدرة على تحويل المظلومية إلى مشروع سياسي قابل للتبني.
ومن هنا، فإن هذه المبادئ تمهّد مباشرة للمرحلة التالية: بناء النموذج السياسي العملي للأحواز، حيث تتحول هذه القواعد إلى مؤسسات، وآليات، وخريطة طريق.