تكشف نتائج استطلاعات الرأي التي نشرتها وكالة نور نيوز، الذراع الإعلامية للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بالتزامن مع انتهاء الحرب الأخيرة، عن مؤشرات تتجاوز كونها مجرد بيانات اجتماعية، إذ تعكس وجود أزمة متنامية في العلاقة بين المجتمع ومنظومة الحكم. فعلى الرغم من أن الخطاب الرسمي حرص على إبراز التماسك الوطني الذي أظهره الإيرانيون خلال الحرب باعتباره أحد عناصر القوة الوطنية، جاءت نتائج الاستطلاع لتكشف عن واقع مختلف يتمثل في تراجع مستويات الثقة والرضا الشعبي. فقد أظهرت النتائج أن نحو 60% من المواطنين لا يتوقعون تحسنًا في الأوضاع المستقبلية، وأن قرابة 80% يرون أن العدالة والمساواة غير متحققتين في المجتمع، فيما يرى نحو 70% أن تغيير السياسات يمثل المدخل الرئيس لمعالجة أزمات البلاد. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى الجهة التي أجرت الاستطلاع، إذ إنها صادرة عن وسيلة إعلامية مرتبطة بالمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الأمر الذي يمنحها دلالة سياسية إضافية، باعتبارها تعكس اعترافًا ضمنيًا من داخل مؤسسات الدولة بوجود أزمة ثقة وعدالة داخل المجتمع الإيراني.

وتشير هذه النتائج إلى أن الأزمة التي تواجهها إيران لم تعد تقتصر على الضغوط الاقتصادية أو آثار العقوبات، وإنما أصبحت أزمة ثقة في طبيعة إدارة الدولة، وأزمة متزايدة في إدراك المواطنين لمفهوم العدالة. فارتفاع نسبة المواطنين الذين يشعرون بغياب العدالة والمساواة لا يمكن تفسيره فقط بتراجع مستويات المعيشة، وإنما يعكس شعورًا واسعًا بوجود تفاوت في الحقوق والفرص بين مكونات المجتمع الإيراني، وبأن الدولة لم تعد قادرة على توفير شعور عام بالمواطنة المتساوية. 

في هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه النتائج باعتبارها امتدادًا للنهج الذي تتبعه السلطات الإيرانية في إدارة الدولة على أساس مركزية سياسية وإدارية تتركز في يد النخبة الحاكمة. وقد انعكس هذا النهج، على مدى العقود الماضية، في مظالم متراكمة عانت منها الشعوب غير الفارسية، ولا سيما العرب والأكراد والبلوش والأتراك والتركمان، تمثلت في التهميش السياسي، والتفاوت التنموي، والقيود المفروضة على الحقوق الثقافية واللغوية، وضعف تمثيلها في مؤسسات الدولة. ورغم أن الاستطلاع لا يربط بصورة مباشرة بين الشعور بغياب العدالة والانتماء الوطني أو القومي، فإن ارتفاع نسبة غير الراضين ينسجم مع ما وثقته العديد من الدراسات بشأن اتساع الشعور بالتمييز لدى هذه الشعوب، الأمر الذي يجعلها من أكثر الفئات تأثرًا بأزمة الثقة القائمة.

وتزداد دلالة هذه المؤشرات إذا ما قورنت بالأوضاع الاقتصادية التي أعلنها مركز الإحصاء الإيراني في تقريره الخاص بمؤشر أسعار المستهلك لشهر مايو. فقد أظهر التقرير تسجيل مستويات غير مسبوقة من التضخم، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 62%، بينما وصل التضخم الشهري إلى 5.9%، في حين اقترب معدل التضخم السنوي مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق من 89% على مستوى البلاد، وتجاوز 108% في المناطق الريفية. كما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات بنحو 135% مقارنة بمايو من العام السابق، وبلغت الزيادة نحو 133% في المدن ونحو 141% في المناطق الريفية. كذلك سجل التضخم السنوي 60.3% في المناطق الحضرية مقابل 72.4% في المناطق الريفية، بينما أعلن المركز أن تكلفة شراء السلة نفسها من السلع والخدمات ارتفعت بنحو 90% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

وتوضح هذه المؤشرات أن الأزمة الاقتصادية لا تقتصر على ارتفاع الأسعار، وإنما تكشف عن اتساع الفجوة التنموية بين المناطق الحضرية والريفية، بما يعزز الشعور بعدم المساواة. وعندما تقترن هذه الأرقام بما تعانيه مناطق الشعوب غير الفارسية من ضعف الاستثمار والخدمات والتهميش التنموي، فإنها تضفي بعدًا اقتصاديًا على أزمة العدالة التي عكستها نتائج استطلاع الرأي، وتؤكد أن الشعور بالتمييز لم يعد قائمًا على اعتبارات الهوية فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بتفاوت مستويات التنمية والفرص الاقتصادية.

ومن زاوية أخرى، ينبغي التعامل مع نتائج استطلاع وكالة نور نيوز باعتبارها تمثل الحد الأدنى من مستوى السخط الشعبي، وليس الحد الأقصى. فخصوصية البيئة السياسية والأمنية في إيران تجعل من الصعب على المواطنين التعبير بحرية عن آرائهم، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتقييم أداء النظام أو انتقاد سياساته. فغياب المنافسة السياسية الحقيقية، والقيود المفروضة على حرية التعبير، والخشية من الملاحقة الأمنية أو التعرض للمساءلة، كلها عوامل تدفع كثيرًا من المشاركين إلى تجنب الإفصاح الكامل عن مواقفهم الحقيقية أو إلى تقديم إجابات أكثر تحفظًا. ولذلك، فإن المؤشرات التي كشف عنها الاستطلاع قد لا تعكس سوى الحد الأدنى من حجم التذمر الشعبي، بينما قد تكون مستويات عدم الرضا والثقة المتدنية أعلى من ذلك بكثير في الواقع.

وتحاول السلطات الإيرانية احتواء هذه المؤشرات من خلال التركيز على مفهوم “إعادة بناء الثقة” وتعزيز رأس المال الاجتماعي، إلا أن هذا التوجه يبدو غير كافٍ ما لم يترافق مع مراجعة حقيقية للسياسات التي أسهمت في تعميق الشعور بالتهميش وعدم المساواة. فاستمرار النهج الحالي، دون معالجة الاختلالات السياسية والاقتصادية والتنموية، ولا سيما في المناطق التي تقطنها الشعوب غير الفارسية، من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة بين المجتمع والدولة، ويقوض التماسك الداخلي بشكل أكبر.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو نتائج استطلاعات الرأي والمؤشرات الاقتصادية متسقة في الدلالة على وجود فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي الذي يركز على الوحدة الوطنية، وبين إدراك قطاعات واسعة من المجتمع لواقع العدالة والمساواة داخل الدولة. كما توحي بأن الشعور بالتمييز لم يعد مقتصرًا على النخب السياسية أو الحركات المطالبة بالحقوق، وإنما بات يمتد إلى شرائح أوسع من المجتمع الإيراني نتيجة تداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وانطلاقًا من ذلك، فإن أزمة العدالة في إيران تبدو أعمق من أن تُعالج عبر تحسين المؤشرات الاقتصادية أو إطلاق حملات لإعادة بناء الثقة. فالعدالة لا تقتصر على توزيع الثروة أو الحد من التضخم، بل تقوم أيضًا على الاعتراف المتساوي بالحقوق السياسية والثقافية لجميع الشعوب التي تعيش ضمن حدود الدولة. وما دامت السلطات الإيرانية تستمر في إنكار الحقوق الثقافية والسياسية للشعوب غير الفارسية، وفي مقدمتها حقها في تقرير مصيرها واختيار النظام السياسي الذي يمثل إرادتها، فإن الحديث عن تحقيق العدالة سيبقى محدودًا من الناحية العملية. فالثقة بين الدولة والمجتمع لا يمكن أن تستعاد في ظل استمرار سياسات الإقصاء والتهميش، كما أن الاستقرار طويل الأمد لا يتحقق بالقوة أو بالتماسك المصطنع، وإنما ببناء عقد سياسي جديد يقوم على المساواة الحقيقية والاعتراف بالحقوق، باعتبارهما الأساس الذي تستند إليه أي شرعية سياسية مستدامة.