بين واشنطن وطهران: هل تكشف التناقضات المتصاعدة هشاشة مذكرة التفاهم؟ 

لم تأتِ المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في سياق سياسي اعتيادي، بل جاءت بعد مرحلة من التصعيد العسكري غير المسبوق بين الطرفين، انتهت بوقف إطلاق النار والانتقال إلى مسار تفاوضي تُوِّج بتوقيع مذكرة تفاهم يفترض أنها ترسم إطاراً عاماً لمعالجة الملفات الخلافية. غير أن متابعة التصريحات الصادرة من واشنطن وطهران خلال الأيام الأخيرة تكشف مفارقة لافتة؛ فبينما يتحدث الطرفان عن التقدم في تنفيذ التفاهمات، فإن كل طرف يقدم رواية مختلفة، بل متناقضة أحياناً، بشأن مضمون ما تم الاتفاق عليه. ويطرح ذلك سؤالاً جوهرياً: إذا كان الطرفان مختلفين على تفسير بنود مذكرة التفاهم نفسها، فكيف يمكن الانتقال إلى اتفاق مستقر وقابل للتنفيذ؟ 

تكمن المشكلة الأساسية في أن المفاوضات الحالية لا تدور حول صياغة تفاهم جديد، بل حول ترجمة مذكرة تفاهم تم توقيعها بين الطرفين إلى إجراءات عملية. ولذلك فإن التناقض في التصريحات لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف إعلامي أو محاولة للتسويق السياسي الداخلي، بل قد يكون مؤشراً على وجود فجوة حقيقية في فهم الالتزامات المتبادلة وحدودها. 

ويبرز ملف الأموال الإيرانية المجمّدة باعتباره المثال الأكثر وضوحاً على هذا التناقض. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس يقدمان صورة واضحة مفادها أن الأموال التي سيتم الإفراج عنها ستبقى خاضعة لرقابة أميركية – قطرية، وأن استخدامها سيكون محصوراً بشراء الغذاء والدواء والمنتجات الزراعية الأميركية، بما في ذلك القمح والذرة وفول الصويا. وتُقدِّم الإدارة الأميركية هذا الترتيب باعتباره ضمانة تمنع إيران من استخدام الأموال في أنشطة أخرى خارج الإطار المتفق عليه. 

في المقابل، تؤكد طهران أن الأموال المفرج عنها ستبقى أموالاً إيرانية خاضعة للقرار الإيراني وحده، وتنفي وجود أي قيود على أوجه إنفاقها أو أي التزام بشراء منتجات أميركية. ويذهب المسؤولون الإيرانيون إلى حد اعتبار الحديث عن الرقابة الأميركية محاولة لتقديم إنجاز سياسي للرأي العام الأميركي لا أكثر. 

هذا التناقض لا يتعلق بتفاصيل تقنية، بل يمس جوهر مذكرة التفاهم نفسها. فإما أن تكون الأموال خاضعة لرقابة خارجية كما تقول واشنطن، أو أنها تحت السيادة الإيرانية الكاملة كما تؤكد طهران. أما الجمع بين الروايتين في الوقت نفسه فيبدو أمراً يصعب تصديقه سياسياً وقانونياً. 

ويزداد المشهد تعقيداً بعد الكشف عن تفاهمات مرتبطة بتخصيص جزء من هذه الأموال لشراء القمح والذرة من الولايات المتحدة. فواشنطن تنظر إلى هذه الخطوة بوصفها نجاحاً في فرض شروطها على آلية الإفراج عن الأموال، بينما تحاول طهران تصويرها كخيار اقتصادي طبيعي تحكمه اعتبارات السعر والجودة. غير أن مجرد قبول مثل هذه الآلية يشير إلى أن ما يجري على الأرض قد يكون مختلفاً عن الخطاب السياسي المعلن في طهران. 

أما الملف النووي، فيمثل التناقض الأخطر على الإطلاق. فقد أعلن ترامب أن إيران وافقت على عمليات تفتيش نووي غير محدودة وعلى أعلى درجات الرقابة لفترة طويلة الأمد، واعتبر ذلك أحد أهم نتائج التفاهمات الأخيرة. لكن الرد الإيراني جاء سريعاً عبر نفي وجود أي اتفاق من هذا النوع، مع التأكيد أن مسألة عودة المفتشين أو توسيع صلاحياتهم لم تكن جزءاً من التفاهمات المعلنة. 

وإذا صحّت الرواية الأميركية، فإن ذلك يعني أن إيران قدمت أحد أكبر التنازلات منذ سنوات. أما إذا كانت الرواية الإيرانية هي الصحيحة، فإن الإدارة الأميركية تبالغ في توصيف ما تحقق على طاولة المفاوضات. وفي الحالتين، فإن استمرار هذا التضارب يهدد بإنتاج أزمة ثقة جديدة عند الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة التنفيذ. 

وتظهر فجوة أخرى في الجدل المتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني. فبعد تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بشأن احتمال انتقال المفاوضات المقبلة إلى مناقشة الصواريخ الباليستية، سارع مصدر قريب من الفريق الإيراني المفاوض إلى نفي الأمر بشكل قاطع، مؤكداً أن الملف الصاروخي ليس مطروحاً على جدول الأعمال وأن الحديث عنه لا يستند إلى أي أساس. 

ويعكس هذا النفي تمسك طهران بخطوطها الحمراء التقليدية، لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود التفاهم الحالي. فواشنطن تنظر إلى البرنامج الصاروخي باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة بالملف النووي، بينما تصر إيران على الفصل بين الملفين. ومعنى ذلك أن أحد أهم أسباب التوتر بين الطرفين ما زال قائماً ولم تتم معالجته ضمن مذكرة التفاهم. 

كما تكشف قضية مضيق باب السلام/ هرمز عن تحول مهم في المشهد التفاوضي. فبعد سنوات من تقديم المضيق باعتباره إحدى أوراق الضغط الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية، تتحدث التصريحات الأميركية عن تفاهمات تسمح باستمرار حركة الملاحة والتجارة الدولية وعدم فرض رسوم أو قيود جديدة. وإلى جانب التفاهمات المتعلقة بالأموال المجمّدة والتصريحات الأميركية بشأن التفتيش النووي، يرى بعض المراقبين أن هذه التطورات تعكس تراجعاً عملياً عن عدد من الشروط التي كانت القيادة الإيرانية تعتبرها سابقاً جزءاً من ثوابتها التفاوضية. 

لكن التناقضات لا تقتصر على مضمون التفاهمات، بل تمتد إلى توصيف مسار المفاوضات نفسه. ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن أن المفاوضات تسير بصورة إيجابية وأن الفرق الفنية تواصل عملها، تتحدث شخصيات إيرانية عن اعتراضات حادة على أسلوب التفاوض الأميركي وعن مغادرة جلسات تفاوضية احتجاجاً على لغة التهديد والضغط. وهذا يعني أن أزمة الثقة التي لطالما حكمت العلاقة بين الطرفين لم تُحل، بل جرى تأجيلها مؤقتاً تحت مظلة التفاهمات الحالية. 

وفي المحصلة، لا تكشف هذه التناقضات عن خلافات إعلامية عابرة بقدر ما تكشف عن فجوة عميقة في الأهداف الاستراتيجية للطرفين. فالولايات المتحدة تسعى إلى تحويل مذكرة التفاهم إلى أداة لتقييد البرنامج النووي الإيراني وإخضاع حركة الأموال الإيرانية لرقابة طويلة الأمد، وربما فتح الباب مستقبلاً أمام مناقشة ملفات أخرى مثل الصواريخ والنفوذ الإقليمي. أما إيران فتسعى إلى استثمار المذكرة لرفع الضغوط الاقتصادية واستعادة أموالها وتخفيف العقوبات، من دون تقديم تنازلات تمس ما تعتبره ركائز سيادتها وأمنها القومي. 

ولهذا السبب، فإن مستقبل المفاوضات لن يتحدد بناءً على عدد الاجتماعات أو حجم التصريحات الإيجابية، بل على قدرة الطرفين على توحيد تفسيرهما لمذكرة التفاهم الموقعة بينهما. وإذا استمرت الهوة الحالية بين الرواية الأميركية والرواية الإيرانية، فإن الخلاف لن يبقى محصوراً في الجانب السياسي أو الدبلوماسي، بل قد يتحول إلى أزمة تنفيذية كاملة تؤدي إلى انهيار التفاهمات القائمة. 

والأخطر من ذلك أن فشل هذه المفاوضات لن يعني العودة إلى مرحلة التوتر السياسي فحسب، بل قد يفتح الباب مجدداً أمام دورة جديدة من التصعيد العسكري. فالمفاوضات الحالية جاءت أصلاً بعد مواجهة عسكرية مباشرة وغير مسبوقة بين الطرفين، وكانت تهدف إلى منع تكرارها من خلال بناء قواعد اشتباك جديدة. وإذا انهارت التفاهمات بسبب تضارب الأهداف والتفسيرات، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام عودة منطق القوة العسكرية باعتباره البديل الوحيد عن التفاوض، وهو سيناريو يبدو أكثر واقعية اليوم