إيران.. من الهشاشة المُدارة إلى مأزق الانهيار

 

حسن راضي

 

الحرب كاشفة للأزمة البنيوية وتفكك الداخل

مع دخول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران مرحلة تصعيدية غير مسبوقة، لم يعد بالإمكان قراءتها ضمن إطار المواجهات التقليدية أو الحسابات العسكرية المحدودة. ما يجري يتجاوز ذلك بكثير، إذ يكشف عن أزمة بنيوية عميقة تضرب صميم النظام الإيراني، وتدفعه تدريجيًا نحو مسار تآكل قد ينتهي بانهيار محتوم، حتى وإن بدأ ظاهريًا أنه لا يزال صامدًا. فالحرب، في جوهرها، لم تعد مجرد صراع على النفوذ أو توازن الردع، بل تحولت إلى عملية استنزاف شاملة تعيد تعريف موقع إيران داخليًا وإقليميًا. وبينما يسعى النظام إلى إظهار قدرته على الصمود، تتكشف في الواقع مؤشرات متزايدة على فقدانه السيطرة، ليس فقط على أدوات القوة التقليدية، بل أيضًا على البيئة السياسية والاجتماعية التي كان يعتمد عليها لضمان بقائه.

أحد أخطر التحولات التي أفرزتها الحرب يتمثل في استهداف رأس النظام، وما نتج عنه من خلخلة عميقة في بنية اتخاذ القرار. فالنظام الإيراني لم يكن يومًا قائمًا على مؤسسات متماسكة، بل على مركزية حادة تتمحور حول المرشد الأعلى، الذي يشكل نقطة التوازن بين مختلف مراكز القوة. ومع تحييد هذه القيادة، واستهداف قيادات بارزة في الحرس الثوري والجيش والأمن الداخلي والمخابرات، لم يعد النظام يواجه فقط أزمة خلافة، بل أزمة وجودية تتعلق بقدرته على إدارة نفسه. فغياب "العقل المنظِّم" الذي كان ينسق بين المؤسسات المختلفة أدى إلى ظهور حالة من التشظي، حيث بدأت مراكز القوى تتراجع وتتصرف بشكل أكثر انفعالية، وأحيانًا في تناقض واضح. هذا التحول من مركزية صارمة إلى تعددية فوضوية في القرار لا يمثل تطورًا طبيعيًا، بل مؤشرًا على بداية تفكك داخلي. فالنظام الذي كان يعتمد على الانضباط الهرمي أصبح الآن أقرب إلى شبكة متنافسة من القوى، يفتقر إلى القيادة الموحدة والرؤية الاستراتيجية الواضحة. ورغم أن الحرس الثوري لا يزال يمتلك اليد العليا، إلا أن تفوقه يجري داخل بيئة مضطربة، ما يجعله أقرب إلى لاعب قوي في نظام ضعيف، لا إلى عمود استقرار حقيقي، وهذا بحد ذاته مؤشر على أن تماسك النظام لم يعد مضمونًا.

وفي السياق نفسه، لم تكن الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران مجرد استهدافات عابرة، بل ضربات منهجية هدفت إلى تفكيك قدرتها على الردع، وقد نجحت هذه الضربات إلى حد كبير في تقليص فعالية منظومات الدفاع الجوي، وشل قدرات الصواريخ، وتعطيل شبكات القيادة والسيطرة. لكن الأخطر من الخسائر المادية هو فقدان القدرة على التحكم، فالدولة التي لا تستطيع حماية مجالها الحيوي أو الرد بشكل متوازن تفقد تدريجيًا موقعها كفاعل استراتيجي قادر على فرض قواعد الاشتباك. وفي محاولة لتعويض هذا التراجع، اتجهت إيران نحو التصعيد غير المتماثل عبر الوكلاء أو من خلال استهداف مصالح خصومها وأصدقائها على حد سواء في الإقليم، غير أن هذا التحول، بدلًا من أن يعيد التوازن، عمّق الأزمة، إذ كشف عن عجز النظام عن خوض مواجهة تقليدية ودفعه نحو أدوات تعكس الضعف أكثر مما تعكس القوة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، فإيران التي كانت تسعى لفرض نفسها كقوة إقليمية ضابطة للتوازن أصبحت اليوم مصدر اضطراب دائم، غير قادرة على الحسم وغير قادرة على التراجع في الوقت ذاته.

ولا يمكن فصل هذا التراجع عن الانهيار المتسارع في الوضع الاقتصادي، فقد أدى استهداف الحرس الثوري، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد، إلى ضرب شبكات التمويل والإمداد التي يعتمد عليها النظام. ومع تراجع الإيرادات وتعطل قطاعات حيوية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة إنهاك حقيقية. هذه الأزمة لا تقتصر على الأرقام، بل تنعكس مباشرة على حياة المواطنين الذين يواجهون تدهورًا غير مسبوق في مستوى المعيشة، كما أن قرار قطع الإنترنت منذ بداية الحرب عمّق من عزلة المجتمع وفاقم من الضغوط الاقتصادية والمعيشية. الأخطر من ذلك هو أن النظام لم يعد يمتلك الأدوات اللازمة لاحتواء هذه الأزمة، فشبكات الولاء التي كان يحافظ عليها عبر الموارد المالية بدأت تتآكل، ما يضعف قدرته على السيطرة الداخلية، وبمرور الوقت تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية، حيث تتزايد الفجوة بين الدولة والمجتمع وتتآكل شرعية النظام بشكل تدريجي ومستمر.

وفي ظل هذه الضغوط، يقف المجتمع الإيراني على حافة تحول خطير، فالمواطن الذي يعاني من الأزمات الاقتصادية ويرى تراجع قدرة الدولة وفقدان القيادة يصبح أكثر استعدادًا للاحتجاج. الاحتجاجات التي شهدتها إيران في السنوات الماضية قد تكون مجرد مقدمة لما هو قادم، فاليوم تتجمع عوامل الانفجار بشكل غير مسبوق، أزمة اقتصادية خانقة، فقدان ثقة بالقيادة، انقسامات داخل النخبة، وتراجع القبضة الأمنية في جميع أنحاء البلاد. ويتضاعف هذا التوتر في مناطق الشعوب غير الفارسية، حيث قد تتراجع قدرة الدولة على فرض السيطرة، ما يفتح الباب أمام اضطرابات ذات طابع قومي أو مناطقي، وهنا يتحول الداخل الإيراني إلى ساحة صراع بحد ذاته لا تقل خطورة عن المواجهة الخارجية، ولم يعد السؤال هل ستحدث اضطرابات بل متى وكيف ستتطور إلى أزمة تهدد بقاء النظام.

تمرّ إيران اليوم بمرحلة شديدة التعقيد تتجاوز كونها أزمة أمنية تقليدية لتتحول إلى حالة متعددة الأبعاد تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية بشكل غير مسبوق، فالمواجهة الأمريكية الاسرائيلية لإيران لا تكمن فقط في بعدها العسكري بل في تأثيرها العميق على بنية النظام الداخلي ووظائفه. لم تعد الحرب مجرد صراع خارجي يمكن احتواؤه على الحدود بل أصبحت عاملًا فاعلًا داخل بنية النظام السياسي الإيراني، فاستهداف البنى التحتية الحساسة وامتداد التوتر إلى مستويات عليا من صنع القرار يعكسان انتقال الصراع من الهامش إلى قلب النظام، ومع ذلك فإن الأهمية الحقيقية لهذه اللحظة لا تكمن في الحرب بحد ذاتها بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتم توظيفها بها داخليًا. في هذا السياق يبدو أن طهران لا تسعى إلى تخفيف التوتر الداخلي بل على العكس تستخدم الحرب كأداة لإعادة إنتاج السلطة وتعزيز السيطرة، ويظهر ذلك بوضوح في تصاعد الإجراءات القمعية وازدياد أعداد المعتقلين وإعدام سجناء سياسيين في رسالة واضحة مفادها أن السلطة في أوقات التهديد لا تميل إلى التراجع أو المرونة بل إلى رفع كلفة المعارضة وردعها. هذا النهج لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع من القبضة الأمنية المتزايدة حيث تتكثف الضغوط على النشطاء وتتزايد التحذيرات من موجات جديدة من الإعدامات ويتقلص هامش الحريات العامة، وفي هذا الإطار تتحول الحرب الخارجية من تهديد إلى ذريعة بل وحتى فرصة لإعادة ترتيب الداخل وفق أولويات أمنية صارمة.

أما على الصعيد الداخلي فيعيش المجتمع الإيراني حالة مركبة يصعب توصيفها ضمن ثنائية القمع أو الانفجار، فهو ليس خاضعًا بالكامل ولا قادرًا على التعبير الجماعي الواسع عن رفضه، ونتيجة لذلك تتشكل حالة يمكن وصفها بالتعليق النشط حيث تستمر مظاهر السخط بشكل متفرق وغير مركزي دون أن تتبلور في حركة موحدة قادرة على إحداث تغيير حاسم، وهذا النمط لا يلغي الأزمة بل يدفع بها إلى مستويات أعمق وأكثر غموضًا. ورغم هذا المشهد الضاغط يظل سؤال بقاء النظام مطروحًا بإلحاح، لماذا لا يزال قائمًا رغم كل هذه التحديات، والإجابة لا تكمن فقط في أدوات القمع بل في بنية النظام ذاته، فهناك قدر من التماسك داخل مراكز القوة وغياب لانقسامات حاسمة إضافة إلى عدم وجود بديل سياسي منظم يحظى بإجماع، كما أن قدرة النظام على تحويل الأزمات إلى أدوات للحشد والسيطرة تمنحه هامشًا إضافيًا للاستمرار. في المقابل تعاني المعارضة خصوصًا في الخارج من ضعف بنيوي واضح، فالصراعات الداخلية والتنافس على القيادة وغياب الارتباط الفعّال مع الداخل كلها عوامل تعيق تحولها إلى بديل حقيقي، أما داخل البلاد فإن ارتفاع كلفة العمل الجماعي وتشتت القوى المعارضة يحولان دون ترجمة السخط الشعبي إلى قوة سياسية مؤثرة، وفي المحصلة تقف إيران اليوم عند مفترق طرق حرج حيث تتقاطع الحرب الخارجية مع القمع الداخلي والضغوط الإقليمية مع التدهور الاقتصادي، فلا النظام نجح في تحقيق استقرار مستدام ولا المعارضة استطاعت تقديم بديل موثوق ولا المجتمع دخل في حالة صمت كامل، إنها مرحلة استنزاف بامتياز ترتفع فيها كلفة الحفاظ على الوضع القائم يومًا بعد يوم ويغدو فيها أي خطأ سياسي عرضة لأن تكون له تداعيات أكبر بكثير مما كان عليه في السابق.

 

 السلوك الإقليمي والعزلة المتصاعدة

روّج النظام الإيراني قبل وأثناء الحرب إلى سردية "إما الأمن للجميع أو لا أمن" لتبرير عدوانه على دول الخليج العربي، غير أن هذه السردية ليست فقط تبسيطية بل مضللة، إذ تختزل المشهد الإقليمي المعقد في معادلة سطحية تتجاهل الفاعلين الحقيقيين وعلى رأسهم دول الخليج العربي التي لم تكن يومًا طرفًا مبادرًا في الصراع، بل سعت لعقود إلى تجنب المواجهة وبناء علاقات طبيعية مع إيران انطلاقًا من حقائق الجغرافيا وتشابك المصالح. لكن المشكلة كانت دائمًا في السلوك الإيراني ذاته، فطهران بدلًا من التعامل مع محيطها كشركاء طبيعيين تعاملت معهم كأدوات ضغط وساحات نفوذ، بل تطور هذا النهج إلى سلوك عدواني مباشر تمثل في استهداف هذه الدول بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في مشهد يكشف عن عقلية تعتبر الجوار امتدادًا لساحة الحرب.

والمفارقة الصادمة أن وتيرة استهداف دول الخليج فاقت حتى حجم العمليات الموجهة نحو إسرائيل، ما يكشف خللًا عميقًا في ترتيب الأولويات لدى صانع القرار الإيراني، فهذا السلوك يعكس تصورًا متضخمًا للتفوق الإقليمي واعتقادًا بإمكانية إخضاع دول الخليج أو ابتزازها ضمن صراع أوسع. غير أن هذا الرهان كان خطأً استراتيجيًا قاتلًا، إذ يتجاهل حقيقة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإن أي استهداف له لا يعد تصعيدًا إقليميًا فحسب بل تهديدًا مباشرًا للنظام الدولي، وهو ما يفسر حجم الردود الدولية الحاسمة.

وبدلًا من تعزيز موقع إيران، أدت هذه السياسات إلى عكس ذلك تمامًا، تعميق عزلتها وتآكل الثقة بها ودفع الدول الخليجية نحو مزيد من التكتل والتنسيق لمواجهتها، لقد نجحت إيران عمليًا في توحيد خصومها ضدها. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى أزمة أعمق تتعلق ببرنامجها النووي، فرفض المجتمع الدولي لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا لا يرتبط فقط بالجوانب التقنية بل بأزمة ثقة في طبيعة النظام وسلوكه، خاصة مع استمرار خطاب التوسع وتصدير الثورة. المعادلة التي يطرحها النظام تعكس ما يمكن وصفه بعقيدة الأرض المحروقة، حيث يصبح غياب الأمن عن إيران مبررًا لغياب الأمن عن الجميع، وهذه ليست استراتيجية ردع بل تهديد مفتوح للفوضى، ومثل هذا النهج لا يمكن أن يؤسس لنظام إقليمي مستقر بل يضع إيران في موقع الدولة التي تنتج الأزمات بدلًا من إدارتها، وقد أدى ذلك إلى نتيجة واضحة تتمثل في عزلة دولية متزايدة واستنزاف مستمر للموارد وتراجع في المكانة الإقليمية.

الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني لم تعد مقتصرة على خصومه، بل امتدت إلى علاقاته مع حلفائه، فالسلوك الإيراني خلال الحرب أظهر نمطًا من عدم الانضباط وعدم احترام قواعد الشراكة، ما أدى إلى تآكل الثقة حتى لدى الأطراف التي كانت تتعاون معه. الدولة التي لا تحترم التزاماتها وتتعامل مع شركائها بمنطق الاستخدام المؤقت تفقد تدريجيًا قدرتها على بناء تحالفات مستقرة، ومع الوقت تجد نفسها معزولة حتى دون إعلان رسمي لذلك، وهذا ما يحدث اليوم، إذ لا تواجه إيران فقط ضغوطًا خارجية بل تعاني من عزلة متصاعدة نتيجة فقدان الثقة في سلوكها السياسي والعسكري.

وفي ظل هذه التحولات يتجه الشرق الأوسط نحو إعادة تشكيل عميقة، حيث بدأت الدول الإقليمية وعلى رأسها دول الخليج في بناء منظومات أمنية أكثر تكاملًا وتعزيز تحالفاتها وتطوير قدراتها الدفاعية، وفي هذا السياق يتراجع الدور الإيراني بشكل واضح، ليس فقط نتيجة الضغوط العسكرية بل بسبب فقدانه للمصداقية والقبول الإقليمي، فالنظام الذي سعى لفرض نفسه كقوة مهيمنة يجد نفسه اليوم خارج معادلات الترتيب الجديد، بل إن بعض التوجهات الإقليمية بدأت تتعامل مع مرحلة ما بعد إيران أو على الأقل مع إيران أضعف وأكثر انكفاءً على الداخل.

في المحصلة تكشف الحرب عن حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن النظام الإيراني لم يعد في موقع القوة بل في موقع الدفاع عن البقاء، إذ تتراكم عليه الأزمات من كل اتجاه، تفكك داخلي وتآكل اقتصادي وفقدان للردع وعزلة إقليمية واحتقان شعبي متصاعد. لقد أدخل النظام نفسه في مأزق استراتيجي حين وسّع دائرة الصراع واستهدف محيطه العربي وخسر ما تبقى له من رصيد سياسي وشعبي، وبدلًا من أن يعزز موقعه وجد نفسه محاصرًا داخليًا وخارجيًا. قد لا يكون الانهيار مفاجئًا لكنه بات مسارًا واضحًا، تآكل تدريجي يقود إلى نقطة اللاعودة، فالدولة التي تفقد تماسكها الداخلي وتخسر بيئتها الإقليمية وتعجز عن إدارة أزماتها لا يمكنها الصمود طويلًا، وإيران اليوم ليست فقط في أزمة بل في مسار تاريخي قد ينتهي بانهيار نظامها أو بتحول جذري يعيد تشكيلها بالكامل، وفي كل الأحوال فإن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها لا لإيران وحدها بل للمنطقة بأسرها.

 

وقف إطلاق النار وأمن الخليج الغائب

وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بعد 38 يومًا من الحرب، لا يمكن اعتباره نهاية للصراع بقدر ما هو إعادة تموضع مؤقت. فرغم تهدئة المواجهة المباشرة، يكشف الاتفاق عن خلل واضح في بنية الأمن الإقليمي، خصوصًا فيما يتعلق بأمن دول الخليج العربي التي كانت خلال الحرب عرضة لتهديدات مباشرة دون أن تكون طرفًا في قرار الحرب أو في ترتيبات وقفها.

خلال التصعيد، لم تكن دول الخليج خارج المشهد، بل كانت في صلبه، حيث تعرضت بنيتها التحتية وطرقها الحيوية لهجمات وضغوط عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، في إطار سعي إيراني لنقل المواجهة خارج حدودها. غير أن هذا الحضور في ساحة الخطر لم يقابله حضور في صياغة الحل، إذ جاء وقف إطلاق النار خاليًا من أي ضمانات حقيقية لأمن الخليج، ما يعكس خللًا أعمق في إدارة التوازنات الإقليمية.

هذا الواقع يعني أن التهدئة قد تكون جزئية ومؤقتة، إذ لم تُعالج أدوات الضغط التي استُخدمت خلال الحرب، ولم تُلزم إيران بالتخلي عنها. كما يكشف أن أمن الخليج ما يزال رهينة تفاهمات دولية لا تشارك فيها دوله بشكل فعلي، رغم أنها تتحمل جزءًا كبيرًا من كلفتها.

في ضوء ذلك، يتزايد إدراك دول الخليج بأن الاعتماد على التوازنات الدولية وحدها لم يعد كافيًا، وأن الحاجة باتت ملحّة لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي. ويبرز هنا اتجاه نحو تعزيز التكامل الخليجي، وربما تطويره إلى صيغة أكثر عمقًا مثل وحدة طوعية ضمن إطار كنفدرالي، بما يعزز القدرة الجماعية على الردع ويحد من الهشاشة أمام التهديدات. كما تفرض المرحلة ضرورة تنويع الشراكات الدولية، لتقليل الاعتماد على طرف واحد وبناء شبكة علاقات أوسع تمنح دول الخليج مرونة أكبر في حماية مصالحها.

في المحصلة، يكشف وقف إطلاق النار عن هدنة هشة أكثر منه استقرارًا فعليًا، ويؤكد أن أي تسوية لا تضع أمن الخليج في صلبها ستبقى ناقصة وقابلة للانهيار، ما لم تبادر دول المنطقة نفسها إلى بناء منظومة أمنية أكثر تماسكًا واستقلالية.