بين شروط ترمب الصارمة وتشدد الحرس الثوري: هل تتجه إيران نحو تسوية قسرية أم صراع طويل يعيد تشكيل المنطقة؟
دخلت الأزمة الإيرانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية مرحلة أكثر تعقيداً بعد التقارير التي تحدثت عن رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتماد مسودة الاتفاق المطروحة مع طهران بصيغتها الحالية، وإصراره على إدخال تعديلات جوهرية تتعلق بمصير اليورانيوم المخصب وتعطيل المنشآت النووية وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وبحسب تقارير إعلامية أميركية، فإن الإدارة الأميركية لم تعد تكتفي بمبدأ تجميد البرنامج النووي الإيراني أو وضع قيود مؤقتة عليه، بل تسعى إلى ترتيبات أكثر صرامة تمنع إعادة بناء القدرات النووية والعسكرية الإيرانية مستقبلاً، وهو ما تعتبره طهران مساساً مباشراً بأسس سيادتها ومنظومة ردعها الاستراتيجية.
لكن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالخلاف حول اليورانيوم أو العقوبات، بل تمس بصورة مباشرة مستقبل النظام الإيراني نفسه، وطبيعة توازن القوى داخل الدولة، والعلاقة بين المركز الإيراني والقوميات غير الفارسية، إضافة إلى مستقبل النفوذ الإقليمي الإيراني بعد سنوات من الصراع.
من الناحية النظرية، يمتلك الطرفان دوافع تدفعهما نحو التفاهم.
فالولايات المتحدة تريد منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية دون الانجرار إلى حرب مفتوحة طويلة في الشرق الأوسط. كما تسعى إلى تأمين حركة الطاقة العالمية وإعادة الاستقرار إلى مضيق باب السلام/هرمز الذي يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي.
في المقابل، تحتاج إيران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية والخروج من حالة الاستنزاف التي فرضتها العقوبات والحرب والتوترات الإقليمية.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن الشروط الأميركية والإسرائيلية تمس الملفات التي تعتبرها طهران جوهر أمنها القومي، وعلى رأسها البرنامج النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية ودورها الإقليمي. ولذلك فإن أي تنازل واسع في هذه الملفات قد يُنظر إليه داخل بنية النظام الإيراني باعتباره تراجعاً، بل استسلاما استراتيجياً لا مجرد تسوية سياسية.
خلال العقدين الأخيرين تحولت مؤسسات الحرس الثوري من مجرد قوة عسكرية إلى أحد أهم مراكز القوة السياسية والاقتصادية والأمنية داخل إيران.
وتشير تقديرات عدد من الباحثين إلى أن الأزمات المتلاحقة والعقوبات والحروب الإقليمية أدت إلى تعزيز نفوذ المؤسسة الأمنية على حساب التيارات السياسية التقليدية.
لذلك يرى كثير من المحللين أن أي اتفاق يتضمن تفكيك عناصر القوة العسكرية الإيرانية سيواجه مقاومة شديدة من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية، حتى لو أبدت بعض الدوائر السياسية استعداداً أكبر للتفاوض.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الملف النووي داخل أوساط الحرس الثوري باعتباره مشروعاً تقنياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من معادلة الردع الاستراتيجي التي تمنع فرض تغيير سياسي أو عسكري على إيران من الخارج.
على الجانب الآخر، لا تبدو إسرائيل مقتنعة بأن الحرب الحالية حققت أهدافها النهائية.
فالتقديرات الأمنية الإسرائيلية تنطلق من فرضية أن أي بنية نووية أو صاروخية تبقى داخل إيران يمكن إعادة بنائها مستقبلاً، حتى لو تم تعطيلها مؤقتاً.
ولهذا السبب تستمر تل أبيب في الدفع نحو اتفاق يؤدي إلى تقليص جذري للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وليس مجرد تجميدها لفترة زمنية محددة.
ومن هنا تظهر المعضلة الأساسية: ما تعتبره إسرائيل شرطاً للأمن القومي تعتبره إيران تهديداً مباشراً لبقاء الدولة والنظام معاً.
بعيداً عن الملف النووي، تواجه إيران تحدياً داخلياً متصاعداً يتعلق بالعلاقة بين الدولة المركزية والشعوب غير الفارسية.
ففي الأحواز وكردستان وبلوشستان وأذربيجان ومناطق أخرى، تتواصل منذ سنوات مطالب تتعلق بالحقوق الثقافية والسياسية والاقتصادية.
ويرى ناشطون من هذه الشعوب أن الدولة الإيرانية فشلت في بناء صيغة سياسية تستوعب التنوع القومي داخل البلاد، وأن المقاربة الأمنية ظلت هي الإطار الحاكم للعلاقة بين المركز وتلك الشعوب.
وتبقى انتفاضة 15 نيسان/أبريل 2005 في الأحواز إحدى أبرز المحطات التي يستشهد بها ناشطون عرب بوصفها مثالاً على عمق التوتر بين الدولة المركزية الشعب العربي في الأحواز.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية الحالية، لأن استمرار الأزمات قد يفتح المجال أمام عودة الاحتجاجات القومية بصورة أكثر تنظيماً واتساعاً.
يطرح بعض الباحثين سيناريو التحول التدريجي نحو نظام أكثر انفتاحاً يسمح بالاعتراف الأوسع بالحقوق القومية والثقافية واللغوية داخل إطار الدولة الإيرانية. غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة. فالتيار الأمني داخل الدولة ينظر إلى كثير من المطالب القومية من زاوية الخوف من التفكك أو التدخل الخارجي، بينما ترى قطاعات من الشعوب غير الفارسية أن عقوداً من الوعود والإصلاحات المحدودة لم تنتج تغييراً حقيقياً في بنية السلطة أو توزيع القوة السياسية.
ولهذا السبب تتسع فجوة الثقة بين الدولة المركزية وبين المجتمعات في المناطق القومية.
السيناريو الأقرب: لا حرب حاسمة ولا سلام حقيقي
رغم التصعيد الكبير، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يبدو حتى الآن انتصاراً كاملاً لأي طرف. فالولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان القدرة على زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية، لكن إسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلام كامل يبدو مهمة ليس في المدى المنظور.
وفي المقابل، تستطيع إيران مواصلة سياسة الاستنزاف، لكنها تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية وداخلية متراكمة تجعل استمرار الوضع الحالي مكلفاً أيضاً. لذلك يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من “الصراع المُدار”، حيث تستمر الضربات والضغوط والمفاوضات في الوقت نفسه، دون الوصول إلى تسوية نهائية أو مواجهة حاسمة.
السيناريو الأخطر: أزمة داخلية متعددة المستويات
إذا استمرت الحرب والضغوط الاقتصادية وفشلت المفاوضات بشكل كامل، فقد تواجه إيران مستقبلاً أزمة مركبة تجمع بين:
- تآكل اقتصادي متواصل.
- تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية.
- عودة المطالب القومية بقوة أكبر.
- زيادة نفوذ المقاربة الأمنية داخل الدولة.
- اتساع الفجوة بين المركز والمناطق الطرفية.
وفي مثل هذا السيناريو قد لا يكون التحدي الأساسي هو الضربات الخارجية وحدها، بل قدرة الدولة الإيرانية على إعادة إنتاج شرعية سياسية قادرة على استيعاب التعدد القومي والاجتماعي داخل البلاد.
تكشف الأزمة الحالية أن الصراع لم يعد يدور فقط حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم، بل حول شكل إيران ومستقبلها السياسي ودورها الإقليمي.