يُعد إقليم الأحواز، الواقع في الضفة الشرقية للخليج العربي (جنوب غرب إيران)، من أكثر الأقاليم حساسية من الناحية الجيوسياسية، لما يمتلكه من ثروات نفطية وغازية ومائية، فضلاً عن موقعه الاستراتيجي المطل على الخليج العربي. ويقطن الإقليم أغلبية عربية حافظت على لغتها وثقافتها وهويتها رغم التحولات السياسية التي شهدها الإقليم منذ إحتلاله من قبل الدولة الإيرانية عام 1925.
وخلال قرن من الزمن، اتبعت الحكومات الإيرانية المتعاقبة سياسات أمنية وإدارية وثقافية هدفت إلى إحكام السيطرة على الإقليم، في ظل اتهامات متكررة من منظمات حقوقية ونشطاء أحوازيين بارتكاب انتهاكات ممنهجة بحق السكان العرب. وتشير هذه الاتهامات إلى أن تلك السياسات شملت حملات اعتقال واسعة، وأحكام إعدام بحق ناشطين سياسيين وثقافيين، واستخدام الاعتقال الإداري المطول، والإخفاء القسري، والتعذيب، وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه، فضلاً عن تقييد حرية التعبير والعمل المدني والديني.
كما تتحدث تقارير حقوقية عن تعرض المواطنين العرب لصور مختلفة من التمييز في مجالات التوظيف والإدارة والتعليم والمشاركة السياسية، إلى جانب القيود المفروضة على استخدام اللغة العربية في المؤسسات التعليمية والحياة العامة، وما يصفه ناشطون بمحاولات لإضعاف الهوية العربية للإقليم عبر سياسات تستهدف الثقافة والرموز المحلية.
وفي الجانب الديمغرافي، يذكر ناشطون ومنظمات حقوقية أن السلطات الإيرانية انتهجت برامج لنقل سكان من خارج الإقليم إلى المدن الأحوازية، بالتوازي مع تهجير عدد من السكان العرب نتيجة مصادرة الأراضي الزراعية، وإنشاء المشاريع الصناعية والعسكرية، الأمر الذي يُنظر إليه باعتباره تغييراً في البنية السكانية للإقليم.
أما على الصعيد البيئي، فقد شهدت الأحواز خلال العقود الماضية أزمات متفاقمة نتيجة تحويل مجاري عدد من الأنهار، وبناء السدود، وتجفيف مساحات واسعة من الأهوار والأراضي الرطبة، وهو ما أدى إلى تراجع النشاط الزراعي، واتساع رقعة التصحر، وازدياد العواصف الترابية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهجرة الداخلية، بحسب ما وثقته تقارير بيئية وحقوقية متعددة.
وفي الوقت ذاته، عززت السلطات الإيرانية من الوجود الأمني والعسكري داخل الإقليم، حيث تنتشر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وقوات الحرس الثوري بصورة كثيفة، وتخضع المدن والقرى العربية لمراقبة أمنية مستمرة، لا سيما خلال المناسبات السياسية والدينية، أو في أعقاب الاحتجاجات الشعبية أو التطورات الأمنية.
وتشير الوقائع الواردة في الأخبار التالية إلى استمرار هذا السياق الأمني، إذ تتناول سلسلة من الاعتقالات، وعمليات القتل، والإحالة إلى السجون، واتهامات تتعلق بالأمن القومي، في ظل استمرار الجدل بشأن احترام معايير المحاكمة العادلة، وحقوق المحتجزين، وحرية المعتقد، والحقوق الأساسية للمواطنين العرب في الأحواز.
أولاً: اعتقال عدد من المواطنين العرب بسبب أنشطتهم الدينية
داهمت قوات الاستخبارات في الأحواز خلال الأسابيع الماضية منازل عدد من المواطنين العرب المقيمين في حي المندلي، وقامت باعتقالهم بسبب انتمائهم إلى المذهب السني.
وأفاد ناشطون في مجال حقوق الإنسان من الأحواز بأن عملية المداهمة نُفذت في الساعات الأولى من الصباح، وأدت إلى إثارة حالة من الذعر والخوف الشديد بين العائلات والأطفال.
وتضم قائمة بعض المعتقلين:
سعيد العبيداوي، 25 عاماً.
حسن الچنداني (المعروف بأبي أركان)، 38 عاماً.
جعفر الشموسي.
إسماعيل العبيداوي، 35 عاماً.
وجميع المعتقلين من سكان حي المندلي بمدينة الأحواز.
وبعد تفتيش منازلهم ومصادرة مقتنياتهم الشخصية، نقلت القوات الاستخباراتية المعتقلين إلى مكان مجهول.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تُعلن السلطات الإيرانية الأسباب الدقيقة للاعتقال أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.
وتأتي هذه الاعتقالات في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى تصاعد الضغوط والإجراءات الأمنية التي تستهدف المواطنين العرب من أتباع المذهب السني في إقليم الأحواز، حيث سُجلت خلال الأشهر الأخيرة حالات متعددة من الاعتقال والاستدعاء وفرض القيود الأمنية بحقهم.
ثانياً: نقل 14 معتقلاً من قلعة كنعان بالأحواز إلى سجن شيبان بعد أربعة أشهر ونصف من الحبس الانفرادي والتعذيب
أفادت منظمة كارون لحقوق الإنسان بنقل 14 مواطناً عربياً من الأحواز كانوا قد اعتُقلوا خلال المداهمة الأمنية التي استهدفت منطقة قلعة كنعان في شهر مارس من هذا العام إلى قسم الحجر (القرنطينة) في سجن شيبان بمدينة الأحواز.
وبحسب التقرير، فقد أمضى المعتقلون أربعة أشهر وخمسة عشر يوماً داخل زنازين انفرادية في معتقل تابع لدائرة الاستخبارات، حيث تعرضوا ـ وفق المنظمة ـ لأشد أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، قبل نقلهم في الأسبوع الماضي إلى سجن شيبان.
ووفقاً لتقارير ناشطين في مجال حقوق الإنسان من الأحواز، فقد أسفرت العملية عن مقتل شخصين على الأقل نتيجة إطلاق النار المباشر، إضافة إلى اعتقال 14 مواطناً.
هوية القتيلين
محمود حسنيان (الناصري)، نجل محمد.
حيدر خياطي بور.
وحتى تاريخ إعداد التقرير، لم تُسلَّم جثتا القتيلين إلى ذويهما، كما تشير التقارير إلى احتمال سقوط قتلى آخرين وإصابة عدد من الأشخاص خلال العملية.
هوية عدد من المعتقلين
طارق حسنيان، نجل راهي، متزوج وأب لابنتين، إحداهما رضيعة تبلغ من العمر شهراً واحداً.
بهادر الزرقاني 39 عاماً، نجل خضير، متزوج وأب لثلاثة أطفال.
منصور الناصري، 40 عاماً، نجل هادي، متزوج وأب لأربعة أطفال.
أحمد الباوي فرد، نجل شهاب.
يوسف حسنيان، نجل خليل.
أمين الناصري.
جاسم الباوي، نجل محمد، المعروف باسم “ميلاد”.
محمد علي الباوي، نجل جابر.
حميد حسنيان، نجل محمد.
وقد وُجهت إلى هؤلاء، أمام الشعبة الثانية للمحكمة العامة والثورية في قضاء كارون برئاسة القاضي منتظري، اتهامات تضمنت:
إطلاق النار باتجاه القوات الأمنية.
تفجير خطوط أنابيب النفط.
حيازة عبوات ناسفة محلية الصنع.
التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
الإخلال بالنظام العام.
وفي المقابل، يؤكد ناشطون حقوقيون أن هذه الاتهامات تُبنى في كثير من الحالات على اعترافات قسرية انتُزعت تحت التعذيب، ومن دون مراعاة معايير المحاكمة العادلة.
وكانت وزارة الاستخبارات الإيرانية قد أعلنت، في بيان رسمي صدر خلال شهر نيسان أبريل الماضي مقتل خمسة أشخاص واعتقال عشرة آخرين، واتهمت المعتقلين بـ:
تشكيل جماعة معارضة.
تنفيذ عمليات تفجير ضد البنية التحتية النفطية.
تنفيذ هجمات مسلحة.
حيازة عبوات ناسفة.
حيازة أسلحة وذخائر.
حيازة عملات أجنبية.
امتلاك أجهزة “ستارلينك”.
حيازة مواد دعائية.
ورغم نقل المعتقلين الأربعة عشر إلى سجن شيبان، فإن عائلاتهم ما تزال محرومة، بحسب التقرير، من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الزيارات، والاتصالات الهاتفية، والاستعانة بمحامين.
كما تفيد التقارير باستدعاء وتهديد، بل واعتقال بعض أفراد عائلات المعتقلين من قبل الأجهزة الأمنية، في خطوة يرى ناشطون أنها تهدف إلى زيادة الضغوط النفسية على المعتقلين وانتزاع اعترافات قسرية منهم.
ثالثاً: مجزرة واعتقالات قلعة كنعان بالأحواز.. انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واستمرار الغموض بشأن مصير عدد من المعتقلين
أفاد ناشطون في مجال حقوق الإنسان بنقل عدد من المعتقلين الذين أوقفتهم قوات الاستخبارات خلال المداهمة الأمنية التي استهدفت منطقة قلعة كنعان بمدينة الأحواز إلى قسم الحجر (القرنطينة) في سجن شيبان، إلا أن هوية جميع المنقولين لم تتضح بصورة كاملة حتى الآن، فيما لا يزال مصير عدد آخر من المعتقلين مجهولاً.
وجاءت العملية الأمنية في ظل الحرب التي استمرت أربعين يوماً، وتزامنت مع انقطاع واسع لخدمات الإنترنت وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة.
وبحسب ناشطين حقوقيين، فقد أسفرت العملية عن مقتل مواطنين عربيين على الأقل برصاص مباشر أطلقته القوات الأمنية، إضافة إلى اعتقال عشرات الأشخاص.
هوية القتيلين
● محمود حسنيان (الناصري)، نجل محمد.
● حيدر خياطي بور.
وحتى لحظة إعداد التقرير، لم تُسلَّم جثتا القتيلين إلى ذويهما، كما تشير التقارير إلى احتمال سقوط قتلى آخرين وإصابة عدد من المواطنين خلال العملية.
هوية عدد من المعتقلين
1. توفيق السيلاوي، 30 عاماً، متزوج.
2. محمد النيسي، 40 عاماً، متزوج.
3. حسين السيلاوي، 20 عاماً، أعزب.
4. حامد الزهيري، أعزب.
5. طارق حسنيان، نجل راهي، متزوج وأب لابنتين، إحداهما رضيعة تبلغ من العمر شهراً واحداً.
6. بهادر الزرقاني 39 عاماً، نجل خضير، متزوج وأب لثلاثة أطفال.
7. منصور الناصري، 40 عاماً، نجل هادي، متزوج وأب لأربعة أطفال.
8. أحمد الباوي فرد، نجل شهاب.
9. يوسف حسنيان، نجل خليل.
10. أمين الناصري، 27 عاماً، متزوج، نجل عادل.
11. جاسم الباوي، نجل محمد، المعروف باسم “ميلاد”.
12. محمد علي الباوي، نجل جابر.
13. حميد حسنيان، نجل محمد.
وأُحيل هؤلاء إلى الشعبة الثانية للمحكمة العامة والثورية في قضاء كارون برئاسة القاضي منتظري، حيث وُجهت إليهم اتهامات تتضمن:
● إطلاق النار باتجاه القوات الأمنية.
● تفجير خطوط أنابيب النفط.
● حيازة عبوات ناسفة محلية الصنع.
● التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
● الإخلال بالنظام العام.
ويؤكد ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن هذه الاتهامات تفتقر إلى المصداقية، وأنها تستند – بحسب روايتهم – إلى اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، دون مراعاة الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وكانت وزارة الاستخبارات الإيرانية قد أعلنت، في بيان رسمي صدر خلال شهر فروردين 1405 هـ.ش، مقتل خمسة أشخاص واعتقال عشرة آخرين، واتهمت الموقوفين بتشكيل جماعة معارضة، وتنفيذ عمليات تفجير استهدفت البنية التحتية النفطية، وحيازة أسلحة ومعدات.
ولا تزال عائلات المعتقلين تعيش حالة من القلق والغموض، إذ ما زال عدد منهم محرومين من أبسط حقوقهم، بما في ذلك:
● زيارة ذويهم.
● إجراء اتصالات هاتفية.
● الاستعانة بمحامين.
كما أفادت التقارير بقيام الأجهزة الأمنية باستدعاء وتهديد، بل واعتقال عدد من أفراد عائلات المعتقلين، في خطوة قال ناشطون إنها تهدف إلى زيادة الضغوط النفسية عليهم وانتزاع اعترافات قسرية، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة معاناة الأسر وأثار مخاوف متزايدة بشأن أوضاع المحتجزين.
رابعاً: مقتل عباس الخسرجي برصاص قوات الحرس الثوري في الأحواز
قُتل صباح يوم الاثنين الموافق 20.07.2026 المواطن العربي عباس الخسرجي، من أهالي منطقة سيد كريم (عين دو) بمدينة الأحواز، إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر من قبل عناصر متمركزين في معسكر تابع للحرس الثوري على طريق الأحواز – الحميدية مقابل منطقة سيد كريم.
ووفقاً للمعلومات الواردة، كان عباس الخسرجي، نجل حسون، البالغ من العمر 35 عاماً، والمتزوج ووالد لطفلتين، يعمل على جمع الحديد الخردة والمواد البلاستيكية والنفايات القابلة لإعادة التدوير بالقرب من المعسكر، عندما استُهدف بإطلاق النار، ما أدى إلى مقتله في المكان.
وأضافت مصادر محلية أن أحد مرافقيه أُصيب خلال الحادث.
ونقل أحد أقارب عباس الخسرجي أن إطلاق النار الذي أودى بحياته صدر عن عناصر من الحرس الثوري.
وتشير المعلومات إلى أن الحادثة تأتي ضمن نمط متكرر من استخدام القوة من قبل القوات المتمركزة داخل المعسكرات العسكرية في المناطق السكنية بالأحواز، حيث يتعرض مدنيون، أثناء ممارستهم أعمالاً يومية لا تنطوي على تهديد، لإطلاق النار المباشر، من دون إنذار مسبق أو مسوغ قانوني، بحسب ما أفادت به المصادر المحلية.
كما اعتبرت التقارير أن استهداف رب أسرة بالقرب من منزله يمثل انتهاكاً للحق في الحياة، ويعكس استخداماً مفرطاً للقوة بحق المدنيين.
خامساً: اعتقال عدد من المواطنين العرب من أتباع المذهب السني في عبادان ومعشور
خلال الأيام الماضية اعتقلت قوات الاستخبارات عدداً من المواطنين العرب من أتباع المذهب السني في مدينتي عبادان ومعشور، قبل نقلهم إلى جهة غير معلومة.
وأُعلن عن هوية اثنين منهم، وهما:
● عبد الحميد سيمري (المعروف بأبي عبد السلام)، من أهالي معشور.
● حاتم المنصوري، من أهالي معشور.
وقد جرى اعتقالهما في مدينة عبادان بتاريخ 2 مرداد 1405 هـ.ش على يد قوات الاستخبارات.
ووفقاً لناشطين في مجال حقوق الإنسان، لم تُعلن حتى الآن أسباب الاعتقال أو طبيعة التهم الموجهة إليهما.
وتأتي هذه الاعتقالات في ظل ما تشير إليه التقارير من تصاعد الضغوط والإجراءات الأمنية التي تستهدف المواطنين العرب من أتباع المذهب السني، حيث سُجلت خلال الأشهر الأخيرة حالات متعددة من الاعتقال والاستدعاء وفرض القيود الأمنية في عدد من مدن إقليم الأحواز.
سادساً: اعتقال 12 ناشطاً عربياً في عبادان ومعشور
أفاد ناشطون في مجال حقوق الإنسان بأن 12 مواطناً عربياً من أتباع المذهب السني اعتُقلوا يوم 2 مرداد 1405 هـ.ش في مدينتي عبادان ومعشور (ماهشهر)، على يد قوات دائرة الاستخبارات.
وذكرت التقارير أن جميع المعتقلين يُعرفون بنشاطهم الديني والثقافي.
هوية عدد من المعتقلين
● حسن البتراني، 32 عاماً، من عبادان.
● مهدي البتراني، 41 عاماً، من عبادان.
● مهدي عساكرة، 20 عاماً، من عبادان.
● أمين الخنفري، 22 عاماً، من عبادان.
● حسين الخنفري، 33 عاماً، من عبادان.
● عبد الحميد سيمري (المعروف بأبي عبد السلام)، 50 عاماً، من معشور (ماهشهر).
● حاتم المنصوري، 46 عاماً، من معشور (ماهشهر).
وكانت قناة “موج” قد نشرت في وقت سابق هوية اثنين من المعتقلين، فيما أفادت مصادر محلية بأن القوات الأمنية قامت، أثناء تنفيذ عمليات الاعتقال، بالاعتداء عليهم بالضرب قبل اقتيادهم إلى جهة غير معلومة.
وحتى تاريخ إعداد التقرير، لم تُعلن السلطات الإيرانية أسباب الاعتقال أو طبيعة الاتهامات الموجهة إلى هؤلاء المواطنين.
وتشير التقارير إلى أن هذه الاعتقالات جاءت في ظل أجواء الحرب والتشديد الأمني، حيث شهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً في الإجراءات الأمنية التي تستهدف النشطاء العرب في إقليم الأحواز، مع تسجيل حالات متكررة من الاستدعاء والاعتقال في عدد من المدن.
تكشف الوقائع الواردة في هذا التقرير عن تصاعد ملحوظ في مستوى الإجراءات الأمنية التي تنفذها السلطات الإيرانية في إقليم الأحواز، بما يعكس استمرار اعتماد المقاربة الأمنية بوصفها الأداة الرئيسة في إدارة الإقليم والتعامل مع المجتمع العربي الأحوازي. ولا تبدو الأحداث الواردة ــ من حملات الاعتقال، وعمليات المداهمة، واستخدام القوة المميتة، والإحالة إلى المحاكم الثورية ــ حوادث منفصلة، وإنما تمثل حلقات مترابطة ضمن سياق أمني متواصل يستهدف إحكام السيطرة على الإقليم والحد من أي نشاط يُنظر إليه على أنه خارج نطاق الرقابة الرسمية.
وتشير طبيعة العمليات الأمنية إلى وجود نمط ثابت في أسلوب تنفيذها، يتمثل في مداهمة المنازل خلال ساعات الفجر، والاستعانة بأعداد كبيرة من عناصر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وتفتيش المنازل ومصادرة الممتلكات الشخصية، ثم نقل المعتقلين إلى أماكن احتجاز غير معلنة، مع الامتناع عن الكشف عن أسباب الاعتقال أو أماكن الاحتجاز أو السماح بالتواصل مع ذويهم ومحاميهم. ويعكس تكرار هذا النمط في الأحواز وقلعة كنعان وعبادان ومعشور أن الأمر يتجاوز كونه استجابة لوقائع أمنية محددة، ليأخذ طابع سياسة أمنية مستمرة تستهدف مناطق عربية متعددة في الإقليم.
وتبرز في الأحداث الأخيرة ملاحظة لافتة تتمثل في اتساع دائرة المستهدفين لتشمل شخصيات دينية وثقافية واجتماعية، ولا سيما المواطنين العرب المنتمين إلى المذهب السني. وتشير التقارير إلى أن عدداً من المعتقلين لم يكونوا متهمين بأعمال عنف معلنة، وإنما ارتبطت عملية اعتقالهم بأنشطتهم الدينية أو الثقافية، الأمر الذي يعكس توسع مفهوم التهديد الأمني ليشمل أشكالاً مختلفة من النشاط المجتمعي، وليس فقط النشاط السياسي أو المسلح.
وفي هذا السياق، تكتسب قضية معتقلي قلعة كنعان أهمية خاصة، إذ تعكس طبيعة التعاطي الأمني مع الملفات التي تصنفها السلطات ضمن قضايا الأمن القومي. فبحسب التقارير الواردة، سبقت إحالة المعتقلين إلى القضاء فترة طويلة من الاحتجاز الانفرادي، ترافقت مع مزاعم بتعرضهم للتعذيب الجسدي والنفسي، قبل توجيه اتهامات ذات طبيعة أمنية تتعلق باستهداف المنشآت النفطية، والتعاون مع جهات أجنبية، وحيازة متفجرات، وإطلاق النار على القوات الأمنية. وفي المقابل، تؤكد منظمات حقوقية أن هذه الاتهامات تستند في كثير من الأحيان إلى اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، في حين تتمسك السلطات الإيرانية بروايتها التي تؤكد أن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار حماية الأمن القومي ومكافحة الجماعات المسلحة.
كما تشير الوقائع إلى أن الإجراءات الأمنية لا تتوقف عند حدود المعتقلين أنفسهم، وإنما تمتد إلى محيطهم الاجتماعي والعائلي، من خلال استدعاء بعض أفراد أسرهم، وتهديدهم، وحرمانهم من الزيارة أو الاتصال أو معرفة أوضاع ذويهم، وهو ما يسهم في زيادة الضغوط النفسية على العائلات، ويؤدي إلى ترسيخ حالة من الخوف وعدم اليقين داخل المجتمع المحلي.
ومن ناحية أخرى، يلفت مقتل المواطن العربي عباس الخسرجي أثناء وجوده بالقرب من معسكر تابع للحرس الثوري إلى استمرار المخاوف المرتبطة باستخدام القوة في المناطق السكنية أو المحيطة بالمنشآت العسكرية. وإذا ما صحت الرواية الواردة في التقرير، فإن الحادثة تثير تساؤلات بشأن قواعد استخدام القوة وآليات التحقيق والمساءلة في مثل هذه الوقائع، ولا سيما عندما يكون الضحايا من المدنيين.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية لكونها جاءت في ظل ظروف أمنية استثنائية شهدتها إيران، تزامناً مع الحرب، وانقطاع خدمات الإنترنت، وفرض قيود أمنية واسعة. ويشير هذا التزامن إلى أن فترات التوتر الإقليمي توفر بيئة تسمح بتوسيع نطاق الإجراءات الأمنية الداخلية، سواء بدافع تعزيز السيطرة الأمنية أو الحد من أي تحركات قد تُفسَّر على أنها تهديد للاستقرار الداخلي، في الوقت الذي تؤدي فيه القيود المفروضة على الاتصالات والإعلام إلى تقليص فرص التوثيق المستقل ومتابعة الانتهاكات ميدانياً.
ومن منظور أوسع، تعكس هذه الأحداث استمرار الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها إقليم الأحواز بالنسبة للدولة الإيرانية، نظراً لما يتمتع به من موقع جغرافي وثروات نفطية وغازية ومائية، الأمر الذي يجعل الاعتبارات الأمنية حاضرة بصورة دائمة في إدارة شؤونه. وفي هذا الإطار، تبدو السياسة الأمنية الحالية امتداداً لنهج طويل يقوم على تعزيز الوجود العسكري والاستخباراتي، والتعامل مع كثير من القضايا المحلية من منظور الأمن القومي، وهو ما ينعكس في ارتفاع وتيرة الاعتقالات واتساع نطاق الرقابة الأمنية.
وبناءً على مجمل الوقائع، يمكن القول إن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود تحول في طبيعة السياسة الإيرانية تجاه الأحواز على المدى المنظور، بل ترجح استمرار المقاربة الأمنية بوصفها الإطار الحاكم لإدارة الإقليم، مع احتمال استمرار حملات الاعتقال والملاحقات الأمنية، ولا سيما في أوقات التوترات الإقليمية أو الداخلية. كما أن استمرار التباين بين الرواية الرسمية الإيرانية وروايات المنظمات الحقوقية بشأن ظروف الاعتقال، واستخدام التعذيب، والمحاكمات، سيبقي ملف الأحواز حاضراً ضمن القضايا التي تستدعي المتابعة الحقوقية والسياسية والإعلامية خلال المرحلة المقبلة.