دعوات الوحدة في إيران بين هواجس التفكك ومطالب القوميات غير الفارسية
في 31 أيار/مايو 2026، دعا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية ومواجهة ما وصفه بمحاولات تقسيم إيران، في تصريح يعكس استمرار القلق الرسمي من التحديات الداخلية والحراك القومي الذي تشهده مناطق الشعوب غير الفارسية في إيران.
وتأتي تصريحات قاليباف في سياق خطاب رسمي متكرر يعكس قلق الدولة الإيرانية من نشاط ومطالب الشعوب غير الفارسية، واحتمال حصول هذه المطالب على دعم من أطراف خارجية في ظل التوترات الإقليمية والضغوط السياسية التي تواجهها طهران.
تضم إيران عدداً من الشعوب والمكونات الإثنية، من بينها الفرس والأذريون والأكراد والعرب والبلوش والتركمان. وعلى الرغم من أن الدستور الإيراني يعترف بوجود هذا التنوع، فإن هناك، بحسب منظمات حقوقية ونشطاء، سياسات ممنهجة تستهدف الشعوب غير الفارسية وتحرمها من أبسط حقوقها القومية والإنسانية.
الأحواز.. ملف حاضر في النقاش
تُعد الأحواز من أكثر المناطق التي تشهد توتراً وحالة من عدم الاستقرار، نظراً لوجود سياسات ممنهجة تستهدف الوجود العربي والهوية الثقافية العربية، إلى جانب القيود المفروضة على استخدام اللغة العربية، ومحدودية فرص التنمية والاستفادة من الموارد الطبيعية في الإقليم الغني بالنفط والغازات.
انتفاضة 15 نيسان/أبريل 2005
تُعتبر أحداث 15 نيسان/أبريل 2005 محطة مهمة في تاريخ الاحتجاجات العربية في الأحواز. فقد اندلعت احتجاجات واسعة عقب تداول رسالة منسوبة إلى مسؤول حكومي تحدثت عن خطط لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة، الأمر الذي أثار غضباً واسعاً بين السكان العرب.
وتحولت الاحتجاجات إلى مواجهات مع قوات الأمن في عدد من المدن، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى واعتقالات، وفقاً لمنظمات حقوقية وشهادات ناشطين. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت ذكرى 15 نيسان مناسبة يستحضرها العديد من النشطاء الأحوازيين بوصفها رمزاً للمطالبة بالحقوق القومية والثقافية.
لا تقتصر الاحتجاجات على الأحواز وحدها، إذ شهدت المناطق الكردية والبلوشية والأذرية خلال العقود الأخيرة موجات متكررة من التوتر والاحتجاج. كما برزت مطالب تتعلق بالحقوق القومية والسياسية والاقتصادية في مناطق الشعوب غير الفارسية.
ويرى بعض الباحثين أن استمرار هذه الاحتجاجات يعكس وجود مطالب سياسية وقومية لدى تلك الشعوب، تتعلق بحقوقها في تقرير مصيرها واختيار مستقبلها السياسي وشكل الحكم في مناطقها.
لماذا يتكرر خطاب الوحدة الوطنية؟
يربط مراقبون بين تصاعد خطاب الوحدة الوطنية وقلق المؤسسة السياسية الإيرانية من تداخل العوامل الداخلية والخارجية. فإلى جانب الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية، تنظر طهران بحساسية إلى أي نشاط سياسي ذي طابع قومي قد يتطور إلى مطالب بالاستقلال أو بحق تقرير المصير.
ولهذا السبب يحرص كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى والرؤساء المتعاقبون ورؤساء البرلمان، على التأكيد بصورة مستمرة على وحدة البلاد. وعادةً لا تبرز قضية الوحدة الوطنية في الخطاب الرسمي للدول إلا عند مواجهة تهديدات خارجية مباشرة تمس الأمن القومي أو وحدة الأراضي. إلا أن منتقدي السياسات الإيرانية يرون أن السلطات تستخدم هذا الخطاب أيضاً لتبرير قمع الحركات القومية وشيطنة مطالبها، من خلال تصويرها على أنها مؤامرات خارجية تستهدف أمن البلاد ووحدتها.
وتؤكد منظمات حقوقية ونشطاء من الشعوب غير الفارسية أن معالجة أسباب الاحتقان تتطلب توسيع الحقوق الثقافية والسياسية والاقتصادية، والاعتراف بحقوق هذه الشعوب ومطالبها في إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية.
وفي ظل استمرار هذا الجدل، تبقى قضية العلاقة بين الدولة المركزية والشعوب في إيران واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد الإيراني، كما تظل عاملاً أساسياً لفهم أسباب تكرار الدعوات الرسمية إلى الوحدة الوطنية ومواجهة ما تصفه طهران بمحاولات تقسيم البلاد.
المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية