اللغة والهوية في إيران... كيف تحولت تنقية الفارسية إلى مشروع قومي؟
جمال عبيدي/لندن
لم تكن اللغة في إيران الحديثة مجرد وسيلة للتواصل أو أداة ثقافية محايدة، بل تحولت، منذ بدايات القرن العشرين، إلى أحد أبرز ميادين إعادة تشكيل الهوية الوطنية، وإلى أداة سياسية وثقافية ارتبطت بمشروع بناء الدولة المركزية الحديثة. فمنذ وصول رضا بهلوي (الشاه) إلى السلطة عام 1925، اتجهت الدولة الإيرانية نحو تبني رؤية قومية فارسية سعت إلى إعادة تعريف مفهوم "الأمة والدولة الإيرانية" على أسس لغوية وثقافية مركزية، كانت اللغة الفارسية في صميمها.
وفي هذا السياق، لم يكن مشروع تنقية اللغة الفارسية من المفردات العربية مجرد جهد لغوي أو أكاديمي محدود، بل عكس، إلى حد بعيد، تحولات أوسع مرتبطة بصعود النزعة القومية الفارسية ومحاولات صوغ سردية وطنية جديدة وإعادة تشكيل الهوية السياسية والثقافية للدولة الإيرانية الحديثة. فبعد عشر سنوات من وصول رضا شاه إلى الحكم، تأسست عام 1935 "جمعية اللغة الفارسية" بقرار من مجلس الوزراء، لتتولى مهمة إعادة تنظيم المفردات المتداولة، والعمل على إحلال كلمات فارسية محل المصطلحات العربية التي كانت تشكل نسبة كبيرة من المفردات المستخدمة في الفارسية آنذاك.
وجاء هذا التوجه في ظل مناخ سياسي وثقافي متأثر بمطالب الأقاليم غير الفارسية، التي ضمت حديثاً إلى جغرافية إيران، بحقوقها الثقافية والسياسية، إذ برزت بين بعض النخب السياسية والثقافية الفارسية قناعة بأن استعادة النقاء اللغوي تمثل جزءاً من استعادة الهوية القومية الفارسية. وبدا واضحاً أن اللغة لم تعد تنظر إليها بوصفها أداة تواصل بين هذه الأقاليم من جهة، وإقليم فارس من جهة أخرى، بل باعتبارها ساحة لتكريس هوية قومية جديدة تسعى إلى تقليص التأثيرات اللغوية، وفي مقدمتها التأثير العربي.
غير أن الحماس لهذا المشروع تجاوز، في أحيان كثيرة، حدود التطوير اللغوي الطبيعي. فمع اتساع الدعوات إلى استبدال المفردات العربية، اتجه بعض الكتاب والموظفين الإداريين وحتى عامة الناس، إلى ابتداع ألفاظ ومصطلحات جديدة لا تجد لها جذوراً راسخة في التداول اليومي، ما أثار اعتراضات داخل الأوساط الأدبية والثقافية نفسها. إذ برزت مخاوف من أن يتحول مشروع تطوير اللغة إلى عملية هندسة لغوية قسرية، تنتج مفردات مصطنعة بعيدة عن الفهم العام والاستعمال الواقعي.
هذه المخاوف دفعت وزارة المعارف الإيرانية آنذاك إلى رفع تقارير إلى الحكومة، كما طرح السياسي والمفكر الإيراني محمد علي فروغي فكرة إنشاء مؤسسة متخصصة تضبط عملية اختيار المفردات الجديدة وتمنع تحولها إلى حالة فوضوية. وعلى هذا الأساس تأسس "مجمع اللغة الفارسية"، الذي ضم نخبة من أبرز الأدباء والمفكرين والباحثين الإيرانيين، إلى جانب عدد من المستشرقين والباحثين الأجانب.
لكن المجمع نفسه لم يكن موحداً في رؤيته. فقد انقسمت الآراء داخله بين اتجاه متحمس لاستبدال أوسع نطاق ممكن من الكلمات العربية، وآخر أكثر تحفظاً رأى أن كثيراً من البدائل المطروحة تبدو بعيدة عن طبيعة اللغة الحية، بل تحول بعضها إلى موضع سخرية في الشارع الإيراني. ومع ذلك، تمكن المجمع، بين عامي 1935 و1941، من إقرار نحو ألفي مفردة فارسية جديدة فقط لتحل محل المفردات العربية، ولا يزال كثير منها مستخدماً حتى اليوم، مثل "شهرداري" بدلاً من كلمة "بلدية"، و"دادگستري" بدلاً من مفردة "العدلية"، و"بهداري" بدلاً من "الصحية".
ومع أن المشروع حقق نجاحاً نسبياً في ترسيخ عدد من المفردات الإدارية والتعليمية، فإنه واجه أيضاً حدوداً واقعية، إذ لم تستطع محاولات "التنقية" اقتلاع التأثير العميق للعربية في الفارسية، سواء على مستوى المفردات أو في مجالات الأدب والعروض وأوزان الشعر. فالعلاقة بين اللغتين لم تكن عابرة أو سطحية، بل نتاج قرون طويلة من التفاعل الحضاري والثقافي. بل يرى عدد من المثقفين والكتاب الإيرانيين المنصفين أن للغة والثقافة العربية دوراً كبيراً في تشكيل الشخصية الفارسية والأدب الفارسي على حد سواء.
ومع تعثر بعض أهداف المشروع وعدم قدرته على إحداث قطيعة لغوية كاملة مع الإرث العربي، استمرت المحاولات بأشكال مؤسساتية مختلفة. فمع توقف المجمع الأول لاحقاً، ثم تأسيس مؤسسات جديدة للأغراض ذاتها، وصولاً إلى "مجمع اللغة والأدب الفارسي" عام 1987، الذي حظي على مدى عقود بدعم من المرشد السابق علي خامنئي، ظل هاجس "تفريس" المصطلحات العربية حاضراً في السياسات اللغوية الإيرانية، وإن بأشكال مختلفة. غير أن السؤال الأهم ظل مطروحاً: هل كانت هذه الجهود مشروعاً لتحديث اللغة، أم جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تعريف الهوية الإيرانية على أسس قومية فارسية؟
تبدو الإجابة أكثر تعقيداً من اختزالها في بعد لغوي صرف. فإيران ليست مجتمعاً أحادي اللغة أو الشعب، بل تضم فسيفساء واسعة من الشعوب والقوميات واللغات، تشمل الأتراك الأذربيجانيين والأكراد والعرب الأحوازيين والبلوش وغيرهم. ومن هنا، فإن أي سياسة لغوية مركزية لا تقرأ بوصفها سياسة ثقافية فحسب، بل باعتبارها أيضاً جزءاً من معادلة السلطة والهوية داخل الدولة.
وربما لهذا السبب، ظل الجدل بشأن اللغة في إيران يتجاوز حدود القواميس والمفردات، ليعكس سؤالاً أعمق وأكثر حساسية: أي هوية تريد الدولة الإيرانية تكريسها؟ وهل يمكن بناء هوية وطنية جامعة عبر لغة مركزية واحدة، أم أن التعدد اللغوي والثقافي يظل حقيقة يصعب تجاوزها مهما تعددت محاولات "الهندسة اللغوية" ذات الأبعاد السياسية؟