في ظل التحولات الكبرى وتداعيات الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية .. إيران إلى أين؟!

لم يعد السؤال الأكثر تداولًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية يتعلق فقط بمصير مجتبى خامنئي أو حقيقة وضعه الصحي بعد الضربات الإسرائيلية ـ الأمريكية الأخيرة، بل أصبح السؤال الأعمق والأكثر حساسية هو: من يحكم إيران فعلًا في هذه المرحلة؟ وهل ما يزال مركز القرار متمركزًا في “بيت المرشد”، أم أن الحرس الثوري انتقل من موقع الحارس إلى موقع الحاكم الفعلي للدولة؟ وهل ما يجري مجرد انتقال قيادة داخل النظام، أم بداية تحول عميق في طبيعة النظام الإيراني نفسه؟
 

إن الغموض الذي يحيط بغياب مجتبى خامنئي عن المشهد، وعدم ظهوره العلني منذ أشهر طويلة، فتح بابًا واسعًا أمام التكهنات والتسريبات والتحليلات المتضاربة. فالرجل الذي كان يُنظر إليه طوال السنوات الماضية باعتباره الوريث غير المعلن لعلي خامنئي، وأحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل البنية العميقة للنظام، تحول فجأة إلى “ظل سياسي” غائب عن الصورة والصوت، في لحظة تُعد من أخطر اللحظات التي تواجه الدولة منذ تأسيسها عام 1979.

غير أن التركيز على شخص مجتبى وحده قد يقود إلى قراءة ناقصة للمشهد الإيراني؛ لأن ما يحدث اليوم يتجاوز مصير فرد أو انتقال سلطة تقليدي، ويمس طبيعة النظام نفسه وتركيبته الداخلية وموازين القوة التي تحكمه. فإيران لا تعيش مجرد أزمة خلافة، بل تبدو وكأنها تدخل مرحلة تحول بنيوي قد يعيد تعريف الجمهورية الإسلامية بأكملها.

 

لقد قامت الثورة الإيرانية منذ البداية على معادلة دقيقة جمعت بين الشرعية الدينية والسلطة الثورية والقوة الأمنية. وكان المرشد الأعلى يمثل نقطة التوازن بين هذه العناصر جميعًا، بحيث يبقى فوق التيارات والمؤسسات، ويملك القدرة على ضبط التنافس بينها. لكن العقود الأخيرة شهدت تغيرًا تدريجيًا وعميقًا في هذه المعادلة، حيث تمدد الحرس الثوري بصورة غير مسبوقة حتى أصبح المؤسسة الأكثر نفوذًا داخل الدولة الإيرانية، ليس عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا واستخباراتيًا وسياسيًا أيضًا.
 

فالحرس الثوري لم يعد مجرد قوة عقائدية تحمي النظام، بل تحول إلى شبكة نفوذ متكاملة تدير ملفات الأمن الإقليمي، وتمتلك حضورًا اقتصاديًا واسعًا، وتؤثر بصورة مباشرة في القرارات الاستراتيجية للدولة الإيرانية. ومع كل أزمة عاشتها إيران، من العقوبات الاقتصادية إلى الاضطرابات الداخلية وصولًا إلى المواجهة المفتوحة مع إسرائيل والولايات المتحدة، كانت مساحة نفوذ الحرس تتوسع تدريجيًا، مقابل تراجع نسبي لدور المؤسسات السياسية والدينية التقليدية.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال حول مجتبى خامنئي سؤالًا عن مستقبل العلاقة بين “الشرعية العقائدية” و”مركز القوة الأمني ـ العسكري”. فإذا كان مجتبى ما يزال يدير المشهد من خلف الستار رغم إصابته أو اختفائه، فهذا يعني أن النظام يحاول الحفاظ على نموذج “المرشد القائد” ولو بصيغة أكثر سرية وأقل ظهورًا. أما إذا كان الحرس الثوري قد أصبح صاحب القرار الفعلي، بينما يُستخدم اسم مجتبى أو موقعه الرمزي للحفاظ على تماسك النظام، فإن إيران قد تكون دخلت عمليًا مرحلة جديدة عنوانها “النظام الأمني ذي الغطاء الديني”.

لكن الواقع، وفق المؤشرات الحالية، يبدو أكثر تعقيدًا من ثنائية “يقود أو يُساق”. فالمشهد الإيراني أقرب إلى صيغة هجينة تتداخل فيها السلطة الرمزية مع القوة العسكرية. فمجتبى خامنئي، بحكم موقعه داخل شبكة النفوذ التاريخية المرتبطة ببيت المرشد، لا يزال يمثل عنصر شرعية مهمًا، لكنه في المقابل يبدو أقل قدرة على ممارسة سلطة فردية مطلقة كالتي امتلكها والده خلال العقود الماضية. وهنا يبرز الحرس الثوري باعتباره القوة القادرة على ملء الفراغ، ليس عبر انقلاب مباشر على مؤسسة المرشد، بل عبر إعادة تشكيلها تدريجيًا بما يخدم توازنات القوة الجديدة.

وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية لفهم مستقبل إيران. فالحرس الثوري لا يحتاج إلى إسقاط “ولاية الفقيه”، لأنه يدرك أن شرعية النظام ما تزال قائمة على هذا المفهوم. لكنه في الوقت نفسه يسعى، على ما يبدو، إلى صياغة نموذج تصبح فيه المؤسسة الدينية مصدرًا للشرعية الرمزية، بينما تنتقل السلطة التنفيذية الفعلية إلى النواة الأمنية ـ العسكرية. وإذا ترسخ هذا التحول، فإن إيران ستكون أمام صيغة مختلفة جذريًا عن صورتها التقليدية خلال العقود الماضية.

لقد كشفت الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة هشاشة بعض البنى الإيرانية، لكنها كشفت أيضًا قدرة النظام على التكيف السريع وإعادة ترتيب مراكز القوة. فبرغم الضربات الأمنية والاغتيالات والاختراقات الاستخباراتية، لم يظهر انهيار واضح في بنية الدولة، ولم يحدث تفكك شامل في مؤسسات الحكم. ويعود ذلك إلى أن الجمهورية الإسلامية لم تُبنَ حول شخص واحد فقط، بل حول شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية والعقائدية والاقتصادية القادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج السلطة.

لكن بقاء النظام لا يعني بالضرورة بقاءه بالشكل نفسه. فإيران اليوم تبدو في طريقها إلى التحول من “دولة ثورية دينية” إلى “بنية أمنية ـ عقائدية مغلقة”. والفرق بين النموذجين كبير؛ فالدولة الثورية تحتاج إلى تعبئة شعبية وخطاب أيديولوجي واسع، بينما تعتمد البنية الأمنية أساسًا على السيطرة والانضباط وإدارة التهديدات. وهذا التحول يحمل في داخله تناقضات عميقة، لأن تضخم المؤسسة الأمنية يأتي غالبًا على حساب الشرعية السياسية والاجتماعية.

ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه النظام الإيراني لا يقتصر على الضربات العسكرية أو الصراع داخل أجنحته، بل يتمثل أيضًا في احتمال تلاقي ثلاثة عوامل قاتلة في لحظة واحدة: الإنهاك الاقتصادي، والعزلة الإقليمية والدولية، والانفجار الداخلي الشعبي. فالتاريخ السياسي للأنظمة العقائدية يُظهر أن سقوطها لا يحدث غالبًا بسبب عامل منفرد، بل نتيجة تقاطع الضغوط الخارجية مع التصدعات الداخلية وفقدان القدرة الاقتصادية على الاستمرار.

فالاقتصاد الإيراني يعيش منذ سنوات تحت وطأة عقوبات قاسية واستنزاف مالي ضخم نتيجة الإنفاق العسكري والتدخلات الإقليمية. ومع استمرار العزلة الدولية، وتراجع الاستثمارات، وتدهور العملة، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، تزداد احتمالات الوصول إلى مرحلة يصبح فيها النظام عاجزًا عن الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي والاقتصادي. وفي الأنظمة المركزية المغلقة، يتحول الانهيار الاقتصادي تدريجيًا إلى تهديد سياسي مباشر، خصوصًا عندما تتآكل الطبقة الوسطى وتتسع فجوة الفقر والغضب الشعبي.

غير أن العامل الاقتصادي وحده قد لا يكون كافيًا لإحداث تحول جذري، ما لم يترافق مع انفجار داخلي واسع النطاق. وهنا تبرز نقطة شديدة الحساسية تتعلق بالطبيعة القومية والاجتماعية المركبة لإيران. فإيران ليست كتلة متجانسة بالكامل، بل تضم قوميات وشعوبًا متعددة تعيش منذ سنوات حالة احتقان متزايد، من العرب والأكراد والبلوش إلى الأذريين وغيرهم. وإذا تزامنت أزمة اقتصادية خانقة مع انتفاضة شعبية شاملة تتجاوز الاحتجاجات التقليدية إلى حالة عصيان واسعة تشمل مختلف المكونات الاجتماعية والقومية، فإن النظام قد يواجه أخطر اختبار وجودي منذ الثورة الإسلامية.

وفي حال ترافق هذا المشهد الداخلي مع استمرار الضغوط الغربية، واستمرار العزلة الإقليمية، وعدم حدوث أي مصالحة حقيقية بين إيران وجوارها العربي، فإن قدرة النظام على المناورة قد تتقلص بصورة غير مسبوقة. فإيران اعتمدت لعقود على فكرة “تصدير الأزمة للخارج” لتخفيف الضغط الداخلي، لكن استمرار المواجهات الإقليمية قد يتحول هذه المرة إلى عامل استنزاف مباشر يسرّع التآكل الداخلي بدل أن يؤجله.

ومن هنا تبرز مسألة العلاقات الخليجية ـ الإيرانية بوصفها عنصرًا حاسمًا في مستقبل المشهد. فالكثير من دول الخليج العربي تنظر إلى المرحلة الأخيرة من التصعيد الإقليمي وما رافق المواجهة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، باعتبارها مرحلة تعرضت خلالها منشآتها النفطية والاقتصادية والتجارية، إضافة إلى البنى المرتبطة بالطاقة والملاحة، لتهديدات مباشرة وغير مباشرة عبر الصواريخ والمسيرات أو عبر أذرع مرتبطة بطهران في المنطقة. ولذلك قد ترى هذه الدول أن اللحظة الحالية تمثل فرصة سياسية وقانونية لإعادة طرح ملف التعويضات والخسائر الاقتصادية ضمن أي ترتيبات إقليمية أو تفاهمات دولية قادمة.

وفي هذا السياق، قد تتجه بعض العواصم الخليجية إلى الدفع نحو إدراج ملف التعويضات ضمن المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، خصوصًا في ما يتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، بما فيها الأموال الموجودة في البنوك القطرية أو غيرها من القنوات المالية الدولية. ومن الناحية السياسية، فإن طرح هذا الملف لا يتعلق فقط بالجانب المالي، بل يمثل أيضًا أداة إضافية لزيادة الضغط على النظام الإيراني وتعميق عزلته الإقليمية، عبر تحميله كلفة مباشرة للسياسات الإقليمية التي اتبعها خلال السنوات الماضية.

وإذا تطور هذا المسار بالتوازي مع استمرار العقوبات والعزلة الاقتصادية، فقد تجد إيران نفسها أمام معادلة شديدة القسوة: اقتصاد منهك، وضغط إقليمي متصاعد، واحتقان داخلي متعدد المستويات، وصراع مفتوح مع الغرب وإسرائيل، وتنافس خفي داخل مراكز السلطة نفسها. وهنا يصبح السؤال ليس فقط: هل يستطيع النظام الصمود؟ بل: أي شكل من أشكال إيران سيخرج من هذه المرحلة إذا استمرت هذه الضغوط مجتمعة؟

ورغم كل ذلك، فإن الحديث عن انهيار وشيك للنظام يبقى قراءة متسرعة. فالنظام الإيراني يمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وبنى خلال العقود الماضية مؤسسات موازية وآليات أمنية واقتصادية سمحت له بالبقاء رغم الحروب والعقوبات والاحتجاجات. لكن ما يبدو واضحًا اليوم أن إيران تقف أمام منعطف تاريخي حقيقي؛ فإما أن تنجح في إعادة إنتاج نفسها ضمن صيغة أكثر براغماتية وانفتاحًا، وإما أن تستمر في التحول نحو نموذج أمني مغلق قد يضمن البقاء لفترة، لكنه يحمل في داخله عوامل إنهاك طويلة المدى.

ومن هنا يطرح بعض المراقبين احتمالًا أكثر تعقيدًا: هل تتزامن مرحلة مجتبى خامنئي مع بداية التحول التاريخي الذي قد يغيّر شكل الجمهورية الإسلامية، كما ارتبط اسم ميخائيل غورباتشوف بمرحلة التحول الأخيرة في الاتحاد السوفيتي؟

فكما وصل غورباتشوف إلى قيادة الاتحاد السوفيتي في لحظةٍ تراكمت فيها الأزمات البنيوية والضغوط الخارجية، قد يجد مجتبى خامنئي نفسه أمام دولةٍ مثقلة بالعقوبات والحروب والتصدعات الداخلية والتحولات الإقليمية العميقة.

وربما تكمن المفارقة التاريخية في أن الرجل الذي يُراد له أن يكون «وريث النظام» قد يتحول إلى الشخصية التي تتزامن مع نهاية الحقبة التي أنتجها هذا النظام وكرّس قواعدها على مدى عقود

وعندئذٍ لن يكون السؤال: من سيخلف المرشد الثالث؟ بل ما إذا كانت إيران قادرة على البقاء بالشكل الذي عرفه العالم والمنطقة منذ عام 1925.