أظهرت التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الإيرانيين والمؤسسات السياسية والأمنية والإعلامية خلال الفترة الأخيرة حالة من التباين الواضح في المواقف تجاه المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بما يعكس وجود خلافات حقيقية داخل بنية النظام الإيراني بشأن طبيعة التفاهمات المطروحة وحدود التنازلات الممكن تقديمها وأولويات المرحلة المقبلة. فبينما تسعى الحكومة الإيرانية إلى تقديم المفاوضات باعتبارها إنجازاً سياسياً واستراتيجياً يحقق مصالح النظام الإيراني ويؤسس لمرحلة جديدة من التفاهم مع واشنطن، تبرز في المقابل مواقف وتحذيرات صادرة عن شخصيات سياسية وعسكرية وإعلامية نافذة تشكك في جدوى هذا المسار أو تعترض على بعض مخرجاته وشروطه. وتكتسب هذه التناقضات أهمية خاصة لأنها لا تعكس مجرد اختلاف في الخطاب السياسي، بل تكشف عن تنافس بين مراكز قرار متعددة داخل النظام، لكل منها رؤيتها الخاصة لمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة وكيفية إدارة الملفات النووية والإقليمية والأمنية. كما أن طبيعة التصريحات المتبادلة والتسريبات التي خرجت إلى العلن تشير إلى أن الخلافات تجاوزت حدود التباين التكتيكي لتلامس مستوى الاختلاف في الرؤية الاستراتيجية تجاه أهداف التفاوض ونتائجه المتوقعة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول قدرة القيادة الإيرانية على الحفاظ على موقف تفاوضي موحد، وانعكاس هذه الخلافات على فرص نجاح أو فشل المفاوضات الجارية.

ويبرز التناقض الأول في المواقف المتعلقة بالملف النووي، حيث أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر السياسات النقدية والمصرفية أن الولايات المتحدة قبلت عملياً بحق إيران في تخصيب اليورانيوم وأن الخلاف اقتصر على عدم امتلاك إيران لسلاح نووي، مشيراً إلى أن طهران وافقت على هذا المبدأ ووقعت عليه، كما أكد أن جميع بنود مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن تصب في مصلحة إيران وأن نتائجها ستظهر قريباً. إلا أن هذا الخطاب يتناقض مع ما كشفه محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، خلال مقابلة تلفزيونية على قناة رسمية، عندما تحدث عن رسائل من مجتبى خامنئي تضمنت شروطاً صارمة للمفاوضات، من بينها عدم التفاوض بشأن الملف النووي إلا إذا انتهى الأمر باعتراف كامل بحق إيران في التخصيب أو إخراج الملف النووي نهائياً من جدول أعمال المفاوضات. كما نقلت وكالة فارس التابعة للحرس الثوري عن مصدر في الوفد المفاوض أن الملف النووي ليس مطروحاً في هذه الجولة من المفاوضات في سويسرا وأن أياً من أعضاء اللجنة النووية الإيرانية لا يشارك في الوفد، ما يتناقض مع الحديث الحكومي عن التوصل إلى تفاهمات تتعلق بالتخصيب النووي.

كما يظهر التناقض بوضوح في تقييم نتائج المفاوضات نفسها. ففي الوقت الذي وصف فيه بزشكيان مذكرة التفاهم بأنها “وثيقة تاريخية”، وأكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعترف عملياً بحقوق الشعب الإيراني التي كان يرفضها سابقاً، دعمت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني هذا التوجه واعتبرت أن التفاهم مع الولايات المتحدة يمثل خطوة نحو مستقبل أكثر استقراراً وأمناً لإيران والمنطقة. في المقابل، شنت وسائل إعلام محسوبة على التيار المحافظ هجوماً واضحاً على المسار التفاوضي، حيث نشرت رجا نيوز تقريراً يفيد بأن المرشد الجديد للنظام الإيراني اعترض على إدراج الملف النووي في المفاوضات واعتبرها مخالفة للشروط الموضوعة مسبقاً، بل ووصفها بأنها “خلاف الشرع”. كما دعت صحيفة كيهان، المعروفة بقربها من الدوائر المتشددة، إلى وقف تنفيذ تفاهم إسلام آباد، وركزت على ضرورة التمسك بأدوات الضغط والردع مثل إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يعكس رفضاً ضمنياً للنهج الذي تتبناه الحكومة.

وتبرز فجوة أخرى في النظرة إلى الولايات المتحدة نفسها. ففي الوقت الذي حاول فيه بزشكيان تقديم المفاوضات باعتبارها دليلاً على تراجع الموقف الأمريكي واعتراف واشنطن بحقوق إيران، خرج عبد الله حاجي صادقي، ممثل المرشد في الحرس الثوري، ليؤكد أن العداء مع الولايات المتحدة لن ينتهي أبداً، وأنه لن يأتي يوم تصبح فيه إيران صديقة لأمريكا أو تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية تجاه إسرائيل، مضيفاً أن التفاوض لا يهدف إلى المصالحة وإنما إلى انتزاع الحقوق. كما حذر محسن رضائي، المستشار العسكري لمجتبى خامنئي، من أي تفاؤل تجاه الولايات المتحدة، معتبراً أن واشنطن تسعى إلى المفاوضات بعد فشلها في إخضاع إيران، وأن أي قراءة متفائلة للمشهد قد تستغلها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة وجود توافق بين المؤسسات السياسية والعسكرية حول التفاهمات مع واشنطن، تعكس التصريحات الصادرة عن شخصيات أمنية وعسكرية حالة مختلفة. فقد شدد علي نيكزاد، نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني، على أن القوات المسلحة الإيرانية تبقى “يدها على الزناد” أثناء المفاوضات، فيما أكد قاسم قريشي، نائب رئيس منظمة البسيج، ضرورة عدم تكرار تجربة الاتفاق النووي السابق، مشيراً إلى أن إيران أصبحت منتجاً لآلاف الصواريخ المتطورة والطائرات المسيّرة، في رسالة واضحة مفادها أن المؤسسة العسكرية لا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها بديلاً عن أدوات القوة. كما أن إصدار المجلس الأعلى للأمن القومي توجيهات للإعلام تمنع الترويج لثنائية “الميدان والدبلوماسية” يعكس وجود مخاوف داخلية من تحول هذا الخلاف إلى مواجهة علنية بين التيار الدبلوماسي والتيار الأمني والعسكري.

ويعد الجدل الذي أثارته تصريحات محمود نبويان أحد أبرز المؤشرات على عمق الانقسام داخل النظام. فقد أدى كشفه لما قال إنها مراسلات ووثائق سرية للغاية مرتبطة بتوجيهات مجتبى خامنئي إلى رد فعل رسمي من هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، التي اعتبرت ما جرى مخالفة قانونية تستوجب الملاحقة القضائية، وأعلنت استقالة أحد مديريها واتخاذ إجراءات تأديبية بحق مسؤولين آخرين. وتكشف هذه الواقعة أن الخلاف لم يعد محصوراً بين الحكومة والتيار المحافظ، بل امتد إلى داخل المؤسسات الإعلامية والأمنية المرتبطة بالنظام نفسه، وهو ما يعكس تصاعد الصراع بين الأطراف المختلفة حول إدارة ملف المفاوضات.

وتشير مجمل هذه التناقضات بين تصريحات مسعود بزشكيان وفاطمة مهاجراني من جهة، ومواقف عبد الله حاجي صادقي ومحسن رضائي وقاسم قريشي وعلي نيكزاد ومحمود نبويان من جهة أخرى، إضافة إلى الخطاب المتعارض الذي تتبناه وسائل إعلام مثل كيهان ورجا نيوز وفارس وتسنيم، إلى وجود ثلاثة مراكز رئيسية للتأثير في القرار الإيراني: الحكومة التي تسعى إلى إنجاح التفاهمات مع الولايات المتحدة، والمؤسسة الأمنية والعسكرية التي تريد الحفاظ على أدوات الردع وعدم تقديم تنازلات استراتيجية، والتيار المحافظ العقائدي الذي ينظر بعين الشك إلى أي تقارب مع واشنطن ويخشى تكرار تجربة الاتفاق النووي السابق.

تقدير موقّف

تشير المعطيات المتوافرة إلى أن المفاوضات الإيرانية الأمريكية تواجه تحديين متوازيين؛ الأول يتعلق بالخلافات الجوهرية بين طهران وواشنطن حول الملفات النووية والأمنية والإقليمية، والثاني يرتبط بالانقسامات المتنامية داخل النظام الإيراني نفسه. فالتصريحات المتعارضة الصادرة عن الحكومة، والحرس الثوري، والبرلمان، ووسائل الإعلام المحافظة، تكشف أن الإجماع الذي تحاول طهران إظهاره لا يزال هشاً، وأن مراكز القوى المختلفة لم تتوصل بعد إلى رؤية موحدة بشأن حدود التسوية الممكنة مع الولايات المتحدة.

ورغم إدراك مختلف الأطراف الإيرانية للحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات، فإن الخلاف يتمحور حول حجم التنازلات المقبولة والثمن السياسي والاستراتيجي الذي يمكن دفعه مقابل ذلك. وفي حين تراهن حكومة مسعود بزشكيان على استثمار المفاوضات لتحقيق انفراجة اقتصادية وسياسية، تنظر المؤسسات الأمنية والعسكرية والتيار المحافظ إلى أي مرونة مفرطة باعتبارها تهديداً لمعادلة الردع والنفوذ التي بنتها إيران على مدى عقود.

وبناءً على ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار المفاوضات مع بقاء حالة الشد والجذب داخل النظام الإيراني، بما قد يؤدي إلى إبطاء مسار التفاهمات أو الحد من سقفها السياسي. كما أن استمرار التناقضات العلنية والتسريبات المتبادلة قد يضعف ثقة الجانب الأمريكي بقدرة الوفد الإيراني على الالتزام بأي تفاهمات نهائية. وعليه، فإن فرص نجاح المفاوضات ستظل مرتبطة ليس فقط بمدى التفاهم بين طهران وواشنطن، بل أيضاً بقدرة القيادة الإيرانية على احتواء صراع مراكز القوى الداخلية وتوحيد موقف مؤسسات الدولة تجاه مسار التفاوض وأهدافه النهائية. وفي المقابل، فإن فشل القيادة الإيرانية في تحقيق هذا التوافق قد يحول الخلافات الحالية من عامل ضغط داخلي إلى عامل معرقل للمفاوضات، بما يرفع احتمالات تعثرها أو تجميدها، وربما انهيارها في حال تمكن التيار الرافض للتسوية من فرض رؤيته على عملية صنع القرار.

حسن  راضي