تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ سنوات، في ظل تعثر المسارات الدبلوماسية وتصاعد المواجهة في الخليج العربي ومضيق باب السلام (هرمز)، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والتجارة العالمية. وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه واشنطن وطهران تحاولان إبقاء باب التفاوض مفتوحاً حول تفاهمات تتعلق بالأمن البحري وحرية الملاحة، إلا أن سلسلة الحوادث البحرية الأخيرة أعادت المشهد إلى مربع التصعيد.


 

ووفقاً للتطورات المتداولة، فإن الولايات المتحدة كانت قد اشترطت على إيران إصدار تعهد رسمي باحترام حرية الملاحة وعدم استهداف السفن التجارية المارة عبر مضيق باب السلام (هرمز)، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لاستمرار المفاوضات بشأن مذكرة تفاهم بين الطرفين. غير أن الحرس الثوري الإيراني، بحسب الرواية المتداولة، لم يستجب لهذه المطالب، بل اتجه إلى استهداف سفينتين تجاريتين، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد أهداف إيرانية.


 

الضربات الأمريكية: جولة ثالثة من التصعيد


 

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها نفذت جولة ثالثة من الضربات العسكرية ضد إيران خلال إسبوع، مؤكدة أن العملية جاءت رداً على استهداف سفن تجارية في مضيق باب السلام (هرمز). وقالت القيادة إن القوات الأمريكية استهدفت نحو 140 هدفاً عسكرياً إيرانياً خلال ليلة واحدة.


 

وأوضحت القيادة المركزية أن العمليات الأمريكية استهدفت على مدى ثلاثة أيام أكثر من 300 هدف عسكري، بهدف تقويض قدرة إيران على مهاجمة السفن وتهديد الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق باب السلام (هرمز).


 

وذكر الجيش الأمريكي أن الضربات شملت مواقع للصواريخ، ومستودعات تخزين، ومراكز اتصالات، وشبكات قيادة وتحكم عسكرية. كما طالت الهجمات مراكز ومواقع في الأحواز، معشور، عبادان، هنديان، بوشهر، ميناء جمرون (بندر عباس)، جسم،، دير، كنكان، عسلوية،، إضافة إلى مواقع في اقليم بلوشستان مثل: ميناء جاسك، سيرك، ميناب ومدينة كرمان ومناطق أخرى داخل إيران.


 

من جانبه، قال وزير الحرب الأمريكي إن إيران “اتخذت خياراً خاطئاً وستدفع الثمن”، معتبراً أن استهداف السفن التجارية وعرقلة الملاحة الدولية في الخليج العربي يمثلان تهديداً مباشراً للمصالح الدولية والأمن الإقليمي.


 

في المقابل، أفاد التلفزيون الإيراني نقلاً عن الحرس الثوري بأن القوات الإيرانية استهدفت “سفينة ثانية مخالفة” في مضيق باب السلام (هرمز)، في إشارة إلى استمرار النهج الإيراني في التعامل مع السفن التي تعتبرها طهران منتهكة للقوانين أو التعليمات البحرية الإيرانية.


 

في المقابل ردّت إيران على الضربات الأمريكية باستهداف دولة الكويت وقطر والبحرين والإمارات وعُمان والأردن، ما يفتح الباب أمام احتمال اتساع نطاق المواجهة ما يجعل صورة الأحداث الميدانية قابلة للتغير مع تواصل التطورات.


 

وفي سياق متصل، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن مستوى التهديد الأمني البحري في مضيق باب السلام لا يزال عند أعلى درجات الخطورة، في مؤشر على استمرار المخاوف الدولية من اضطراب حركة الملاحة والتجارة في المنطقة.


 

بالتوازي مع التصعيد العسكري، نقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح فريق التفاوض الأمريكي مهلة محدودة للتوصل إلى اتفاق مع طهران، وأن الإدارة الأمريكية تدرس خيارات واسعة، بما في ذلك العمل العسكري، في حال فشل المفاوضات.
 

وتعكس هذه المعلومات وجود مسارين متوازيين في السياسة الأمريكية: الأول دبلوماسي يسعى إلى انتزاع تعهدات إيرانية تتعلق بحرية الملاحة، والثاني عسكري يعتمد على الضغط المباشر لإجبار طهران على تغيير سلوكها في الخليج العربي.

وفي تطور لافت، نقلت تقارير أن باكستان وجهت رسالة تحذير إلى الحرس الثوري الإيراني بشأن تداعيات استهداف دول الخليج العربي، وأن إسلام آباد تدرس إصدار بيان إدانة للهجمات الإيرانية مع التلويح بوقف جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، ما قد يؤدي إلى تراجع فرص احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية.
 

إلى أين تتجه الأزمة؟
 

تكشف هذه التطورات عن انتقال الأزمة الأمريكية الإيرانية من مرحلة الضغوط المتبادلة إلى مرحلة الاشتباك العسكري المباشر واسع النطاق، مع تزايد المؤشرات على أن الثقة بين الطرفين وصلت إلى أدنى مستوياتها. فواشنطن ترى أن استهداف السفن التجارية يمثل تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة والنظام البحري الدولي، وهو أمر غير مقبول إقليميًا ودوليًا، بينما تسعى طهران إلى التحكم بمرور السفن التجارية وتعتبر ذلك ورقة رابحة بيدها لا تريد التخلي عنها دون مقابل.

كما أن اتساع نطاق الضربات الأمريكية ليشمل مئات الأهداف داخل إيران يحمل رسالة بأن واشنطن مستعدة لاستخدام قوة عسكرية كبيرة لردع طهران.

وتزداد خطورة المشهد مع ارتباط الأزمة بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ إن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق باب السلام/ هرمز قد ينعكس على أسواق النفط والطاقة العالمية، ويرفع كلفة النقل والتأمين البحري، ويزيد من هشاشة الاستقرار الإقليمي.
 

سيناريوهات التصعيد والانهيار الدبلوماسي

 

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن فرص نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية تتراجع بشكل ملحوظ، خصوصاً إذا استمرت الهجمات على السفن أو توسعت الضربات العسكرية المتبادلة. ومع تضاؤل هامش الثقة، يبرز احتمال انهيار المفاوضات بالكامل، ما قد يدفع واشنطن إلى تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه طهران.

 

وفي حال فشل المسار الدبلوماسي، قد تتجه الولايات المتحدة، بدعم أو تنسيق مع إسرائيل، إلى تنفيذ ضربات أوسع ضد البنية العسكرية الإيرانية، بالتوازي مع فرض حصار اقتصادي وأمني أكثر صرامة يهدف إلى تقييد القدرات الإيرانية وإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية.

 

وفي المقابل، قد تسعى إيران إلى الرد عبر توسيع أدوات الضغط الإقليمية وتهديد الملاحة أو المصالح الأمريكية وحلفائها، ما يرفع احتمالات الدخول في مواجهة عسكرية واسعة ضد إيران.
 

وبذلك، تقف المنطقة أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما العودة إلى مسار التفاوض وفق تفاهمات أمنية جديدة تُلزم طهران بالاستجابة لشروط أمريكية ومطالب إقليمية تتعلق بحرية الملاحة وأمن الممرات البحرية وخفض مستوى التصعيد، وإما الانزلاق إلى مرحلة غير مسبوقة من المواجهة العسكرية والضغوط الاقتصادية، قد تتطور إلى حملة واسعة تستهدف إضعاف البنية العسكرية والسياسية الإيرانية. وفي حال استمرار هذا المسار التصعيدي وتعثر أي تسوية دبلوماسية، فإن بعض التقديرات والتحليلات لا تستبعد أن تفضي الأزمة إلى تغييرات عميقة داخل إيران، قد تشمل إضعاف أو حتى سقوط النظام القائم، إلى جانب تحولات سياسية واجتماعية وديموغرافية واسعة قد تعيد رسم المشهد الداخلي الإيراني وتنعكس على موازين القوى في المنطقة بأسرها.