تصعيد إسرائيلي واسع ضد العمق الإيراني: استهداف البنية العسكرية وسلاسل الإمداد ومحاولة كسر معادلة الردع الجديدة
في يوم الاثنين الموافق 08 يونيو/حزيران 2026، نفّذت إسرائيل سلسلة من الضربات الجوية والصاروخية المكثفة ضد أهداف عسكرية واستراتيجية داخل إيران، وذلك رداً على الهجمات الصاروخية التي أطلقتها إيران باتجاه مستوطنات ومواقع في شمال إسرائيل خلال الساعات السابقة. ويأتي هذا التطور في إطار تصعيد متبادل بين الطرفين، وسط مؤشرات على دخول المواجهة مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وإقليمية أوسع.
واستهدفت العمليات الإسرائيلية مواقع موزعة بين طهران وأصفهان وتبريز والأحواز وكرج، شملت قواعد صاروخية، ومستودعات للطائرات المسيّرة، ومنظومات دفاع جوي، إضافة إلى مقرات ووحدات تابعة للحرس الثوري الإيراني.
ووفقاً للتقارير المتداولة، ركزت الضربات على تقويض البنية التشغيلية لشبكات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، عبر استهداف منصات الإطلاق ومراكز التخزين والدعم اللوجستي، في محاولة لإضعاف القدرة الإيرانية على تنفيذ هجمات بعيدة المدى أو إعادة بناء قدراتها الهجومية خلال فترة قصيرة.
ومن أبرز الأهداف التي جرى استهدافها الشق العسكري لمطار مهرآباد في طهران، ومستودعات للطائرات المسيّرة في العاصمة ونجف آباد، إضافة إلى مواقع عسكرية للحرس الثوري ووحدات مدرعة في محيط طهران وأصفهان وكرج، فضلاً عن مواقع دفاع جوي في جنوب غرب البلاد.
البعد السياسي للتصعيد: محاولة فرض معادلة ردع جديدة
تشير تقديرات وتحليلات سياسية متداولة إلى أن إطلاق إيران للصواريخ باتجاه شمال إسرائيل لم يكن يهدف فقط إلى توجيه رسالة عسكرية مباشرة، بل حمل أبعاداً سياسية مرتبطة بمسار التفاهمات الجارية بين طهران وواشنطن.
وبحسب هذه القراءة، سعت إيران إلى إدراج الساحة اللبنانية ضمن حسابات التفاوض الإقليمي، وإيصال رسالة مفادها أن أي استهداف إسرائيلي واسع للضاحية الجنوبية لبيروت، التي تُعد المعقل الرئيسي لحزب الله، قد يقابله رد مباشر من الأراضي الإيرانية ضد إسرائيل. وبذلك تكون طهران قد حاولت ترسيخ معادلة ردع جديدة تربط بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية، بما يرفع كلفة أي عملية إسرائيلية ضد حزب الله مستقبلاً.
كما استندت التقديرات الإيرانية، وفق هذه القراءة، إلى احتمال أن تمارس الإدارة الأمريكية ضغوطاً على الحكومة الإسرائيلية لتجنب رد عسكري واسع، خاصة في ظل الحديث عن اقتراب التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقات بين واشنطن وطهران عبر قنوات وساطة إقليمية، من بينها الوساطة الباكستانية. وكانت الحسابات الإيرانية تفترض أن الحفاظ على مسار التفاوض سيشكل أولوية لدى الأطراف المعنية، بما يحد من حجم الرد الإسرائيلي.
إلا أن التطورات الميدانية جاءت مخالفة لهذه التقديرات، إذ نفذت إسرائيل واحدة من أوسع عملياتها العسكرية ضد العمق الإيراني، مستهدفةً مواقع عسكرية وصناعية ولوجستية متعددة. ويشير حجم ونوعية الأهداف التي تم ضربها إلى أن القيادة الإسرائيلية سعت إلى توجيه رسالة معاكسة مفادها أن الربط بين الجبهات الإقليمية لن يفرض قيوداً على حرية عملها العسكري.
وفي هذا السياق، اعتبرت إسرائيل أن الرد العسكري الواسع يمثل إفشالاً لمحاولة فرض قواعد اشتباك جديدة من قبل إيران وحزب الله، وأن أي محاولة لربط أمن الجبهة اللبنانية بقدرة إيران على التدخل المباشر ستواجه برد حاسم يستهدف مصادر التهديد داخل إيران نفسها. ووفق هذه الرؤية، فإن العملية الإسرائيلية لم تستهدف فقط تدمير قدرات عسكرية، بل هدفت أيضاً إلى منع تكريس معادلة ردع إقليمية جديدة تربط بين أي تصعيد في لبنان ورد إيراني مباشر ضد إسرائيل.
انتقال إلى استهداف البنية الصناعية الداعمة للقدرات العسكرية
اللافت في هذه الجولة من التصعيد هو انتقال العمليات من استهداف الأهداف العسكرية التقليدية إلى ضرب البنية الصناعية المرتبطة بالصناعات الدفاعية. فقد تعرض مجمع كارون للبتروكيماويات في مدينة معشور بالأحواز لغارات جوية استهدفت مرافق إنتاج مواد كيميائية تدخل في الصناعات الصاروخية والعسكرية الإيرانية.
ويعكس هذا التطور تحولاً في طبيعة المواجهة نحو استهداف حلقات الإنتاج وسلاسل الإمداد، بدلاً من الاقتصار على المنصات العسكرية الجاهزة للاستخدام. كما أن أهمية المجمع تتجاوز الجانب العسكري، نظراً لدوره المحوري في إنتاج مواد تدخل في قطاعات صناعية ومدنية واسعة تشمل البناء وصناعة السيارات والأجهزة المنزلية.
ومن المتوقع أن يؤدي أي تعطيل طويل الأمد للمجمع إلى تداعيات اقتصادية وصناعية داخلية، عبر زيادة الضغوط على سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الإنتاج في عدد من القطاعات الحيوية.
المركز الاحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية