قبل أن أدخل في الأمثلة التي سأذكرها، أجد من الضروري أن أوضح أنني لا أكتب هذا المقال دفاعًا عن شخص أو نظام أو حزب، ولا يعني ذكري لموقف ما أنني أؤيده أو أتبناه. كما أنني لا أكتب لأوزّع شهادات الوطنية والخيانة على الناس، وإنما أحاول أن أشرح بعض المواقف كما أفهمها من وجهة نظر أصحابها، ثم أضعها إلى جانب مواقف أخرى تختلف عنها أو تتناقض معها. ففهم منطق الإنسان لا يعني تبرير أفعاله، وشرح موقف الخصم لا يعني الوقوف في صفه.

ما أبحث عنه هنا هو معنى الوطنية عندما تدخل في امتحان حقيقي، وحين يصبح على الإنسان أن يختار بين وطنه ومصلحته أو حزبه أو عقيدته أو قبيلته أو حليفه الخارجي.

أبدأ بقصة قد تبدو صغيرة مقارنة بالأحداث الكبرى، لكنها بقيت في ذهني لما تحمله من دلالة. يروي لورنس العرب عن الشيخ عودة أبو تايه، أحد أبرز رجال الثورة العربية الكبرى، أنه كان جالسًا مع الأمير فيصل ورجاله يتناول الطعام، وفجأة نهض من المجلس وخرج من الخيمة. وبعد أن سمعوا صوت ضرب في الخارج، وجدوه يحطّم أسنانه الاصطناعية على صخرة. ولما سألوه عن السبب، قال إنه تذكّر أن جمال باشا العثماني هو الذي أعطاه تلك الأسنان، وأنه كان يأكل خبز فيصل «بأسنان تركية». وتذكر الرواية أنه ظل يعاني بعد ذلك في أثناء الأكل، إلى أن صُنع له طقم آخر.

قد يرى القارئ في تصرف عودة مبالغة، وربما لو كنا مكانه لما فعلنا ما فعله. لكنني لا أتوقف عند الأسنان بقدر ما أتوقف عند إحساس الرجل بالتناقض. فقد اختار الثورة العربية وقرر أن يكون في صفها، ولم يحتمل في داخله أن يقول شيئًا ويمارس ما يراه نقيضًا له، وكان مستعدًا لأن يتحمل بنفسه ثمن موقفه.

ولا تعني قصة عودة أن الوطنية تُقاس بكسر الأشياء أو بمقاطعة البشر، وإنما تطرح سؤالًا بسيطًا: عندما نعلن موقفًا كبيرًا، ما مقدار الثمن الذي نحن مستعدون لدفعه بأنفسنا من أجله؟

ومن هذا الموقف أنتقل إلى نموذج يختلف عنه تمامًا، وهو بنيامين نتنياهو. وهنا أكرر أن ذكره ليس دفاعًا عنه، ولا تبريرًا لما حدث في غزة. فمن ينظر إلى غزة يرى حجمًا هائلًا من القتل والدمار والتهجير. وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في سبتمبر 2025، إلى أن السلطات الإسرائيلية ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وهو استنتاج رفضته إسرائيل، مؤكدة أن حربها تستهدف حماس وأنها تدافع عن نفسها.

لكن ما يعنيني في هذا المقال هو كيفية تقديم نتنياهو موقفه من منظوره السياسي؛ فهو لا يقول للإسرائيليين إنه يخوض الحرب من أجل التدمير لمجرد التدمير، وإنما يقدمها باعتبارها معركة للدفاع عن إسرائيل في مواجهة خطر يراه وجوديًا. وقد وصل منطقه السياسي إلى حد الاستعداد لمواجهة جانب كبير من الرأي العام الدولي، وتحمل العزلة والاحتجاج والمقاطعة، ما دام يعتقد أن ذلك يخدم أمن إسرائيل.

وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، وبعد خروج عشرات المندوبين احتجاجًا عليه، وصف المغادرين بأنهم «جبناء أخلاقيًا»، واستمر في الدفاع عن سياساته رغم الاعتراض الدولي الواسع.

أنا لا أتبنى نهج نتنياهو ولا أبرر سياساته، لأن قتل المدنيين وتدمير حياة شعب آخر لا يصبحان مقبولين لمجرد أن صاحبهما يصفهما بالدفاع عن الوطن. وإنما أتوقف عند ترتيب الأولويات في منطقه السياسي: إسرائيل أولًا، حتى لو واجهت العالم.

ومن هنا يظهر السؤال الذي سيصاحب بقية المقال: ماذا يحدث عندما نواجه نموذجًا على النقيض تمامًا، فتصبح حماية السلطة أو العقيدة أو الحليف أهم من حماية الشعب نفسه؟

هنا أتوقف عند سوريا في عهد بشار الأسد. فقد حكم الأسد دولةً كان حزبها يرفع، منذ عقود، شعارات قومية تتحدث عن الأمة العربية ووحدتها ورسالتها الخالدة، وفق الشعار المعروف: «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». لكن سوريا، منذ اندلاع أزمتها عام 2011، دخلت في حرب مدمرة قُتل وشُرّد خلالها عدد هائل من السوريين، بينما أصبح بقاء النظام مرتبطًا بصورة متزايدة بالدعم الإيراني، ثم بالتدخل العسكري الروسي المباشر عام 2015. وكانت إيران وروسيا من أبرز القوى التي ساعدت الأسد عسكريًا على الاستمرار واستعادة مناطق خسرها.

ولا تكمن المفارقة هنا في تحالف دولة عربية مع دولة غير عربية، فالدول تتحالف وفقًا لمصالحها وحساباتها السياسية، وإنما في رفع شعارات الأمة والشعب، بينما يصبح الحفاظ على السلطة أولوية تتقدم على حياة الناس ووحدة المجتمع، ويغدو الحليف الخارجي أكثر ضرورة للنظام من رضا قطاعات واسعة من شعبه.

قد يقول مؤيدو الأسد إن روسيا وإيران وقفتا إلى جانب الدولة السورية في مواجهة جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية، بينما يرى خصومه أنه استعان بقوى خارجية ليبقى في الحكم مهما كان الثمن. وبين الروايتين يبقى السؤال الذي يعنيني: متى يصبح الدفاع عن النظام مختلفًا عن الدفاع عن الوطن؟

ثم نصل إلى لبنان وحسن نصر الله، حيث تظهر صورة أخرى من التناقض، تتصل هذه المرة بالعقيدة والولاء السياسي. ففي تسجيل معروف يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، تحدث نصر الله عن مشروع يرى أن لبنان لا ينبغي أن يكون جمهورية إسلامية منفصلة، بل جزءًا من «الجمهورية الإسلامية الكبرى» المرتبطة بولاية الفقيه وقيادة الإمام الخميني آنذاك، مع الإشارة إلى أن خطاب حزب الله ومشاركته في النظام السياسي اللبناني تطورا كثيرًا خلال العقود اللاحقة.

وهنا لا أناقش حق الإنسان في أن يكون شيعيًا أو سنيًا أو مسيحيًا، ولا حقه في الإيمان بفكرة دينية معينة؛ فهذا شأنه. وإنما أسأل عن اللحظة التي تنتقل فيها العقيدة من اختيار شخصي إلى مشروع يتعلق بمصير دولة كاملة.

فلبنان ليس حزبًا واحدًا ولا مذهبًا واحدًا، بل وطن متعدد الطوائف والانتماءات، له حدوده وشعبه وتاريخه ومؤسساته. ولذلك يصبح السؤال مشروعًا: إذا تعارضت مصلحة لبنان مع مصلحة إيران، أو تعارض قرار الدولة اللبنانية مع رؤية الولي الفقيه، فأين تكون الأولوية؟

هنا يظهر الفرق بين أن يحمل الإنسان عقيدة يؤمن بها، وبين أن تصبح تلك العقيدة أعلى من الوطن الذي يضم أناسًا لا يشتركون جميعًا فيها.

وعندما أضع أمامي عودة أبو تايه ونتنياهو وبشار الأسد وحسن نصر الله، لا أقول إنهم متشابهون؛ فهم مختلفون في الأزمنة والظروف والأهداف والأفعال. وإنما أستحضر مواقفهم لأصل إلى السؤال الذي يهمنا نحن الأحوازيين: عندما تتعارض انتماءاتنا المختلفة، أيّها نقدّم؟

لقد دفع أحوازيون أثمانًا كبيرة بسبب مواقفهم؛ فمنهم من سُجن أو أُعدم أو اضطر إلى المنفى، ومنهم من عاش سنوات بعيدًا عن وطنه. لكن هناك، في الوقت نفسه، تناقضات تستحق منا التأمل.

فقد يعيش الإنسان في أوروبا أو أستراليا أو بلد آخر، ويعلن رفضه الكامل للدولة الإيرانية وسياساتها تجاه الأحواز، لكنه يظل نفسيًا واجتماعيًا متعلقًا بكل ما اعتاده في حياته السابقة، فيبحث عن المطعم الإيراني والطبيب الإيراني والمحامي الإيراني والمتجر والبضائع الإيرانية، حتى عندما تكون أمامه بدائل كثيرة.

ولا يعني ذلك أن تناول الطعام الإيراني جريمة، أو أن التعامل مع إنسان إيراني خيانة؛ فالناس لا يتحملون ذنب حكوماتهم لمجرد انتمائهم إليها، كما أن العادات والذكريات التي عاش الإنسان معها منذ طفولته لا تختفي في يوم واحد.

لكن هذه التفاصيل اليومية تدفعنا إلى سؤال أكبر: إذا كان الانفصال النفسي والثقافي عن منظومة نرفضها سياسيًا بهذه الصعوبة، فما مدى استعدادنا لتحمل كلفة موقف وطني عندما يصبح الثمن أكبر بكثير؟

ولا أقصد هنا أن الوطنية تتطلب مقاطعة الناس بسبب جنسيتهم أو أصولهم، وإنما أطرح سؤالًا عن مدى الانسجام بين المواقف المعلنة والاختيارات العملية، وعن الفرق بين التمسك بعاداتنا الشخصية وبين الخضوع لمنظومة سياسية نرفض سياساتها.

وينطبق السؤال نفسه على المذهب؛ فاشتراك الإنسان مع سلطة ما في المذهب لا يعني أن يجعل ولاءه الديني مبررًا للصمت عن ظلم يراه واقعًا على وطنه. فالمذهب معتقد، أما الوطن فهو البيت الذي يضم المختلفين في مذاهبهم ومعتقداتهم، ولا ينبغي أن يصبح الانتماء الديني وسيلة لجعل مصلحة دولة أخرى أعلى من مصلحة المجتمع الذي ننتمي إليه.

وهناك أيضًا القبيلة، وهي جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الأحوازي، كما هي الحال في مجتمعات عربية كثيرة. ولا أرى في الاعتزاز بالقبيلة وتاريخها وروابطها الاجتماعية تناقضًا مع الوطنية؛ لكن التناقض يبدأ عندما تصبح القبيلة أعلى من الوطن، وعندما تتحول من رابطة اجتماعية إلى مرجعية سياسية تنافس الدولة والمواطنة.

وقد بلغ الاهتمام بهذا الانتماء في المنفى حدّ تأسيس أطر ومجالس قبلية استطاعت استقطاب أحوازيين. وفي المقابل، يبقى السؤال أمامنا: هل نستطيع أن نبني، بالقدر نفسه، مؤسسات مدنية وحقوقية وثقافية واقتصادية تجمع الأحوازيين جميعًا، ولا تسأل الفرد عن قبيلته قبل أن تخدمه؟

تعيش مجتمعات عربية كثيرة ضمن نسيج قبلي وعشائري، لكن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على تفضيل قبيلة على أخرى، وإنما على قانون يساوي بين المواطنين. ويمكن للقبيلة أن تبقى ذاكرةً وعائلةً ومصدرًا للتكافل الاجتماعي، لكن الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى مجموعة قبائل تتقاسم النفوذ؛ فالقبيلة جزء من الوطن، وليس الوطن جزءًا من القبيلة.

وحتى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 لم يكن انتصارًا لقبيلة بعينها، بل جاء نتيجة تطورات عسكرية وسياسية شاركت فيها قوى سورية متعددة، من مناطق وخلفيات مختلفة. وهذا يذكّرنا بأن القضايا الوطنية الكبرى لا تستطيع قبيلة واحدة أن تختصرها في نفسها أو تحتكر تمثيلها.

ومن هنا أصل إلى خلاصة هذا المقال: لا أريد أن نأخذ من عودة أبو تايه كسر الأسنان، بل وضوحه مع نفسه واستعداده لتحمل ثمن اختياره. ولا أريد أن نأخذ من نتنياهو حربه أو ما ارتُكب في غزة، بل أن نتأمل كيف يضع بلده في أعلى سلّم أولوياته السياسية، من دون أن يعني ذلك قبول الوسائل التي يستخدمها أو تبرير نتائجها.

كما ينبغي أن نتأمل في تجربة الأسد خطر أن تصبح السلطة أهم من الشعب، وفي تجربة حسن نصر الله خطر أن تصبح العقيدة أو المرجعية الخارجية أعلى من الدولة، وفي تجربتنا نحن خطر أن يصبح المذهب أو الحزب أو القبيلة أو الحنين أقوى من الانتماء الوطني.

الوطنية لا تعني كراهية الإيراني، ولا محاربة مذهب، ولا هدم القبيلة، ولا الانغلاق عن العالم. وإنما تعني أن يعرف الإنسان أين يقف عندما تتعارض الانتماءات، وأن تكون الدولة التي يتطلع إليها مستقبلًا دولةً لجميع أبنائها، لا دولة مذهب أو قبيلة أو حزب، وأن تكون المواطنة والقانون هما السقف الذي يجمع المختلفين.

فالقبيلة تبقى قبيلة، والمذهب يبقى مذهبًا، والحزب يتغير، والحليف تتغير مصالحه، أما الوطن فلا يستطيع أن يكون وطنًا بحق إلا إذا اتسع للجميع.

الوطن يبقى وطنًا، ولا يكون وطنًا بحق إلا حين يحتضن الجميع.