في الأحواز، حيث تُستخرج ثروات هائلة من النفط والغاز، يعيش الشعب العربي في عموم جغرافية الأحواز مفارقة قاسية: ثروة ضخمة تُستخرج من أرضهم، بينما تتراكم حولهم مظاهر الفقر والبطالة والتهميش والتدهور البيئي. ومن هذه الزاوية، فإن حادث تسرب الغازوئيل في منطقة دارخوین، قرب قرية صگارة، لا يبدو مجرد خلل فني عابر، بل يكشف جانبًا من أزمة أوسع تتصل بإدارة الموارد، والبنية التحتية، والعدالة الاقتصادية، وحماية البيئة.
وبحسب ما أوردته منصة موج، تعرض خط أنابيب بقطر 12 بوصة لنقل الغازوئيل بين عبادان والأحواز لخلل أدى إلى تسرب الوقود في منطقة دارخوین، وسط تفاعل شعبي مع الحادث. وفي المقابل، اتجهت وسائل إعلام حكومية إلى توصيف تعامل بعض المواطنين مع الوقود المتسرب باعتباره «سرقة».
وتكتسب الواقعة أهميتها من موقع دارخوین داخل منظومة الطاقة الإيرانية؛ فهي منطقة ترتبط بثروة نفطية واستثمارات كبيرة، في حين لا ينعكس حجم هذه الموارد بالضرورة على مستوى معيشة الشعب العربي الأحوازي.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: كيف يمكن لمنطقة غنية بالنفط والطاقة أن يعاني أهلها من الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة؟
ووفق الرواية التي نشرتها منصة موج، فإن ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل والإنتاج يفرض أعباء متزايدة على قطاعات مثل الزراعة والصيد والنقل والأعمال الصغيرة. ولذلك فإن اختزال تفاعل المواطنين مع الوقود المتسرب في وصف «السرقة» يتجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل خلفية الحادث.
وهنا لابد أن تطرح سؤالًا أعمق حول جذور الأزمة: لماذا تتحول موارد الطاقة المستخرجة من أرض الأحواز إلى مصدر للثروة الوطنية الإيرانية، بينما لا يحصل الشعب الأحوازي صاحب الأرض والثروة على مستوى مماثل من التنمية والحماية الاقتصادية والبيئية؟
كما يثير الحادث قضية سلامة البنية التحتية النفطية، إذ يشير تقادم خطوط النقل، والقصور في أعمال الصيانة، وإجراءات السلامة إلى مشكلة تتجاوز حدود الحادث نفسه. كما يرتبط الحادث بأعطال خطوط الوقود، وما قد تسببه من صعوبات في تصدير النفط والمنتجات النفطية، فضلًا عن الضغوط المحتملة التي قد تفرضها على منظومتي النقل والتخزين.
ويبرز في المقابل البعد البيئي بوصفه أحد أخطر جوانب القضية. فتسرب المنتجات النفطية يمكن أن يؤدي إلى تلوث التربة والمياه وتهديد الأراضي الزراعية ومصادر رزق الشعب الأحوازي، خصوصًا في حال عدم احتواء التسرب ومعالجة آثاره وفق المعايير البيئية. ولهذا فإن أي حادث من هذا النوع يستوجب تقييمًا بيئيًا مستقلًا، ونشر نتائج الفحوصات، وتحديد المسؤوليات، وضمان حقوق المتضررين.
لكن دلالة دارخوین تتجاوز الجانب البيئي والاقتصادي. فالأزمات تتحول إلى أزمات سياسية عندما تتراكم فوق شعور طويل بالتهميش. والمجتمع الذي يرى ثروات هائلة تُستخرج من أرضه، بينما يعاني في الوقت نفسه من البطالة وارتفاع تكاليف الحياة والمخاطر البيئية، قد ينظر إلى كل حادث جديد باعتباره جزءًا من مشكلة أوسع، وليس واقعة منفصلة.
شهدت دارخوین خلال السنوات الماضية سلسلة من الأحداث التي تعكس حجم الضغوط الأمنية والاجتماعية والاقتصادية على الشعب العربي الأحوازي. ففي 2019 اعتُقل المدرّس العربي عادل عساکره وحُكم عليه لاحقًا بالسجن تسع سنوات بسبب منشورات انتقد فيها سياسات الحكومة. وفي 2020 قُتل قائد البسيج في دارخوین عبدالحسين مجدمي، وتبع ذلك اعتقالات وتحقيقات أمنية واسعة وفق مصادر حقوقية. كما شارك الشعب في دارخوین في احتجاجات المياه عام 2021، ورفعوا شعارات رافضة للتهجير القسري. وفي العام نفسه أدى حادث مروري إلى مقتل 10 عمال، ما أثار احتجاجًا على سوء الطرق وظروف السلامة. وفي 2023 أضرب نحو 200 عامل نفط في وحدة دارخوین مطالبين بحقوقهم وتحسين ظروف العمل ومعالجة المنشآت المتهالكة. وتؤكد هذه الوقائع أن أزمة دارخوین تتجاوز حادث تسرّب الديزل الحالي، لتكشف عن تراكم مشكلات القمع والإهمال والبنية التحتية وظروف العمل واستغلال الموارد النفطية
يرى المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية أن حادث دارخوین يكشف أزمة تتجاوز تسرب الوقود من خط أنابيب؛ فهو يطرح أسئلة جوهرية حول من يملك القرار في إدارة ثروات الأحواز، ومن يستفيد من عائداتها، ومن يتحمل كلفة استخراجها وأضرارها البيئية.
إن جوهر الأزمة الأحوازية لا يتمثل في غياب الثروة، بل في غياب العدالة في إدارتها وتوزيع آثارها وعوائدها. ومن الجدير بالذكر أن غياب العدالة لا يعود إلى تقصير حكومي أو خلل إداري، بل إلى سياسات ممنهجة تهدف إلى تجويع الشعب الأحوازي وإرغامه على الهجرة خارج وطنه. ولذلك، فإن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من خلال تجريم نتائج الفقر، أو تجاهل التلوث، أو تحميل الشعب العربي الأحوازي وحده مسؤولية الاحتقان.
ما حدث في دارخوین ليس مجرد انفجار في بنية تحتية؛ إنه إنذار سياسي بأن استمرار استخراج ثروات الأحواز دون تنمية عادلة وحماية للبيئة ومشاركة حقيقية لشعب العربي الأحوازي في إدارة مواردهم، سيبقي المنطقة أمام دائرة متجددة من الفقر والتهميش والغضب.
المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية