تقرير حقوقي وإعلامي
مقدمة
في تطور جديد يعكس، وفق منظمات حقوقية، استمرار القيود المفروضة على الحريات المدنية والسياسية في الأحواز، أصدرت محكمة الثورة في الأحواز أحكاماً بالسجن بحق تسع نساء عربيات، بواقع خمس سنوات لكل واحدة، وبمجموع 45 عاماً، على خلفية اتهامات مرتبطة بنشاطهن في الفضاء الإلكتروني والمدني.
ووفق منظمة «هنغاو» الحقوقية، فقد أُبلغت النساء بالأحكام بعد مثولهن أمام محكمة الثورة في 20 سبتمبر/أيلول 2026، حيث واجهن اتهامات من بينها «العضوية في مجموعات أو تنظيمات بقصد الإخلال بالأمن»، و«الدعاية ضد النظام»، و«التجمع والتواطؤ ضد الأمن». كما أفادت المنظمة بأن الأحكام أولية وقابلة للاستئناف. (Hengaw)
ولا تتوقف خطورة القضية، بحسب المعلومات الحقوقية المتاحة، عند سنوات السجن وحدها؛ إذ قيل للنساء إن مدة العقوبة يمكن خفضها إلى سنة واحدة في حال خضوعهن لدورة إجبارية لمدة عام تحت مسمى «الإصلاح الفكري أو العقائدي-السياسي». (Hengaw)
ويرى المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية أن هذه القضية تفتح من جديد ملف استخدام قوانين الأمن القومي والسلطة القضائية في إيران لتقييد حرية التعبير والنشاط المدني، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأفراد من الأقليات القومية والدينية.
نساء أمام القضاء بسبب نشاطهن المدني
النساء التسع المشمولات بالأحكام هن:
- سعيدة حيدري راد
- أمل الدحيماوي
- كوثر عساكرة
- آيات محمدي
- فاطمة سواري
- خديجة حوالي
- افتخار رستمي زاده
- السيدة فاطمة حسيني
- آمنة بيت سياح
وبحسب المصادر الحقوقية، فقد سبق اعتقالهن بأكثر من عام ونصف على خلفية نشاطهن على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أمضين أشهراً في مراكز احتجاز تابعة للأجهزة الأمنية قبل الإفراج عنهن بكفالات مالية. وتحدثت المصادر عن تعرضهن خلال فترة الاحتجاز لضغوط نفسية وجسدية. (Hengaw)
وتؤكد هذه المعطيات، في حال ثبوتها، أهمية التحقيق المستقل في ظروف الاعتقال والاستجواب، وفي مدى احترام حق المتهمات في الدفاع والمحاكمة العادلة.
من السجن إلى «الإصلاح الفكري»
من أكثر جوانب القضية إثارة للقلق الحقوقي ربط تخفيض مدة العقوبة بالمشاركة في برنامج أيديولوجي إلزامي.
فبحسب التقارير المنشورة، تواجه كل امرأة حكماً أصلياً بالسجن لمدة خمس سنوات، مع إمكانية خفض العقوبة إلى سنة واحدة في حال إتمام برنامج مدته عام يحمل اسم «الإصلاح الفكري» أو «الإصلاح العقائدي-السياسي». (Hengaw)
ويطرح هذا الإجراء سؤالاً جوهرياً حول حدود السلطة القضائية عندما تصبح الحرية الشخصية مرتبطة بقبول برنامج ذي مضمون فكري أو أيديولوجي.
ولا تتوافر حتى الآن، وفق ما نشرته المصادر، تفاصيل كافية حول المنهج الكامل لهذه الدورة أو أساسها القانوني أو طبيعة المواد التي يتعين على المحكومات الخضوع لها. (IranWire)
ومن ثم، فإن المركز يرى ضرورة الكشف العلني عن الأساس القانوني لهذا الإجراء ومحتوى البرنامج وآلية تطبيقه، باعتبار أن أي برنامج مفروض على المحكومين يجب ألا يتحول إلى وسيلة للإكراه الفكري أو العقائدي.
القضية في سياق أوسع من التمييز ضد الأحوازيين
لا يمكن، من منظور المركز، قراءة هذه القضية بمعزل عن السياق الأوسع الذي عاشه عرب الأحواز خلال العقود الماضية.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن العرب في الأحواز تعرضوا تاريخياً للتهميش والتمييز، بما في ذلك قضايا مصادرة الأراضي ونقل السكان والتمييز الاقتصادي. (Amnesty International)
كما تشير منظمة Minority Rights Group International إلى استمرار معاناة عرب الأحواز من الفقر والتهميش، والقيود المتعلقة باللغة والثقافة، ومشكلات الوصول إلى الخدمات، فضلاً عن أشكال من التمييز الاقتصادي والاجتماعي. (Minority Rights Group)
وفي تقرير حديث، أشار مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران إلى أن المكونات العرقية والدينية، ومن بينها عرب الأحواز، تواجه تمييزاً ممنهجاً، وقيوداً على الممارسات الثقافية والحقوق اللغوية والحرية الدينية، إلى جانب محدودية فرص الوصول إلى التعليم والعمل والفرص الاقتصادية. كما أشار التقرير إلى استخدام اتهامات فضفاضة مثل «تهديد الأمن القومي» و«الدعاية ضد الدولة» في ملاحقة أفراد من الأقليات. (Digital Library)
وبذلك، فإن قضية النساء التسع تأتي ضمن نمط أوسع من المخاوف المتعلقة بحقوق الأقليات في إيران، وليس باعتبارها حادثة قضائية معزولة.
قرن من التحولات القسرية والتهميش
يربط الخطاب السياسي والحقوقي الأحوازي جذور القضية الراهنة بالتحولات التي بدأت في عشرينيات القرن الماضي، ولا سيما التحول السياسي الذي أنهى حكم الشيخ خزعل في عربستان/الأحواز عام 1925 وأدخل المنطقة في مرحلة جديدة من الإحتلال والتهميش الممنهج.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن الدولة المركزية في عهد رضا شاه اتجهت إلى إنهاء الحكم العربي وتعزيز المركزية في الأحواز، فيما توثق دراسات ومنظمات حقوقية لاحقة مراحل من التمييز ضد السكان العرب في مجالات الأرض والثقافة والسياسة والاقتصاد. (Encyclopaedia Iranica)
ولهذا يستخدم الخطاب الأحوازي تعبير «قرن من التهميش والقمع» لوصف المسار الذي بدأ في عشرينيات القرن العشرين واستمر، وفق هذا المنظور، بأشكال مختلفة خلال العهود الإيرانية المتعاقبة.
ويشير المركز إلى أن استخدام هذا التعبير ينبغي فهمه في سياق تاريخي وسياسي، في حين أن طبيعة كل مرحلة وأحداثها تتطلب توثيقاً مستقلاً ودقيقاً.
ثروة الأحواز مقابل واقع اجتماعي واقتصادي صعب
تكتسب قضية الأحواز بعداً إضافياً بسبب الموارد الطبيعية الهائلة في المنطقة، وفي مقدمتها النفط والغاز.
وتشير مصادر حقوقية إلى مفارقة واضحة بين أهمية المنطقة الاقتصادية وبين مستويات الفقر والتهميش ونقص الخدمات التي تعاني منها قطاعات من السكان العرب.
كما وثقت الأمم المتحدة مخاوف بشأن تأثير التدهور البيئي وتحويل المياه واستغلال الموارد والتلوث في خوزستان على المجتمعات الأحوازية، وما يرتبط بذلك من نزوح وتدهور سبل العيش والوصول إلى المياه والخدمات الأساسية. (SP Comms Reports)
وبذلك، لا تتعلق القضية الأحوازية بالحقوق السياسية والثقافية فقط، وإنما تمتد إلى الحق في التنمية العادلة، والبيئة السليمة، والمياه، والسكن، والعمل، والمشاركة في إدارة الموارد المحلية.
المرأة الأحوازية في مواجهة التمييز المتعدد
تحمل قضية النساء التسع بعداً إضافياً يتعلق بالمرأة.
فالمرأة الأحوازية، وفق ما يشير إليه تقرير الأمم المتحدة، قد تواجه أشكالاً متداخلة من التمييز المرتبط بالعرق والدين والجنس، بما يزيد من العقبات أمام ممارسة الحقوق الأساسية ويضاعف مخاطر التعرض للانتهاكات. (Digital Library)
ومن هذه الزاوية، فإن محاكمة تسع نساء عربيات دفعة واحدة في قضية ذات طابع أمني، بعد اعتقالهن لأشهر، ثم الحكم عليهن بعقوبات طويلة، تستحق تدقيقاً حقوقياً مستقلاً بشأن مدى احترام حقوقهن في التعبير والدفاع والمحاكمة العادلة.
11 مواطناً في دائرة الملاحقة القضائية
لا تقتصر القضية على النساء التسع. فقد أفادت تقارير أخرى بإرسال إخطارات قضائية إلى 11 مواطناً عربياً، بينهم تسع نساء ورجلان، للحضور أمام المحكمة في إطار تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.
والرجلان هما: مصطفى جعفري وحسين حيدري فر.
وبحسب المعلومات المنشورة، تضمنت الملفات اتهامات مثل العضوية في جماعات أو تشكيل تنظيمات بهدف الإخلال بأمن البلاد، والدعاية ضد النظام، والتجمع والتواطؤ لارتكاب جرائم ضد الأمن الداخلي أو الخارجي، والإخلال بالنظام العام. (دولة الأحواز العربية)
ويطالب المركز بتوضيح الوضع القضائي لكل واحد من هؤلاء الأشخاص، ونشر تفاصيل الأحكام والأدلة التي استندت إليها، وضمان حقهم في الاستئناف والدفاع القانوني.
عندما يصبح «الأمن القومي» عنواناً لتقييد الحقوق
تكمن إحدى المشكلات الأساسية في استخدام قوانين الأمن القومي بصياغات واسعة تسمح بتجريم أنشطة مدنية أو تعبيرات سلمية.
وقد أشار مقرر الأمم المتحدة الخاص إلى استمرار استخدام اتهامات عامة من قبيل «الدعاية ضد الدولة» و«تهديد الأمن القومي» في سياق ملاحقة أفراد من الأقليات. (Digital Library)
كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استمرار الاعتقالات التعسفية والمحاكمات التي لا تستوفي المعايير الدولية للمحاكمة العادلة في إيران، إلى جانب استمرار التضييق على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات. (Human Rights Watch
ومن هنا، فإن المركز يعتبر أن مكافحة أي تهديد حقيقي للأمن لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر شامل لتجريم التعبير المدني أو النشاط الحقوقي أو ممارسة الهوية الثقافية.
مطالب المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية
بناءً على المعطيات المتاحة، يطالب المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية بما يلي:
- وقف تنفيذ الأحكام بحق النساء التسع إلى حين استكمال جميع مراحل الاستئناف وضمان محاكمة عادلة ومستقلة.
- إعادة النظر في الأحكام الصادرة بحقهن وضمان ألا تكون ممارسة الحق في التعبير أو النشاط المدني سبباً لعقوبات سالبة للحرية.
- إلغاء أي اشتراط أيديولوجي أو عقائدي مقابل تخفيض العقوبة، وضمان حرية الفكر والضمير والمعتقد.
- فتح تحقيق مستقل في ظروف الاعتقال والاستجواب والتحقق من جميع الادعاءات المتعلقة بالضغط النفسي أو الجسدي وسوء المعاملة.
- ضمان حق المتهمين في الاستعانة بمحامين وفي الاطلاع على الأدلة والاتهامات الموجهة إليهم بصورة واضحة.
- نشر الأحكام القضائية والأسانيد القانونية والأدلة التي استندت إليها المحاكم بصورة شفافة.
- وقف استخدام تهم الأمن القومي ذات الصياغات الفضفاضة لتجريم النشاط المدني السلمي.
- احترام الحقوق الثقافية واللغوية والدينية للشعب العربي الأحوازي، وضمان حقه في ممارسة هويته دون تمييز.
- معالجة التمييز الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في الأحواز وضمان استفادة السكان المحليين من موارد منطقتهم بصورة عادلة.
- السماح للآليات الدولية لحقوق الإنسان بالوصول إلى الأحواز للتحقيق في أوضاع حقوق الإنسان ومتابعة حالات الاعتقال والمحاكمات.
الختام:
إن قضية النساء الأحوازيات التسع ليست، من منظور المركز، مجرد ملف قضائي يضاف إلى عشرات الملفات الأخرى؛ بل إنها تكشف مرة أخرى عن العلاقة المتوترة بين ممارسة الحقوق المدنية وبين منظومة قوانين الأمن القومي في إيران.
والأخطر، بحسب المعطيات الحقوقية المنشورة، هو أن 45 عاماً من السجن أصبحت مرتبطة بنشاط في الفضاء الإلكتروني، فيما طُرح في المقابل برنامج إلزامي تحت عنوان «الإصلاح الفكري أو العقائدي-السياسي» كطريق لتقليص العقوبة. (Hengaw)
وبالنسبة إلى الشعب الأحوازي، فإن هذه القضية تأتي في سياق تاريخي أطول من التهميش والتمييز الموثقين في مصادر حقوقية وأممية، شمل قضايا الأرض واللغة والثقافة والاقتصاد والبيئة والمشاركة السياسية. (Amnesty International)
وعليه، فإن المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية يدعو المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والهيئات الحقوقية الدولية، إلى عدم التعامل مع هذه القضية باعتبارها شأناً قضائياً داخلياً معزولاً، بل باعتبارها جزءاً من ملف أوسع يتعلق بحماية حقوق الإنسان وحقوق الأقليات في إيران، وضمان حق الشعب العربي الأحوازي في الكرامة والمساواة والهوية والثقافة والمشاركة السياسية والتنمية العادلة.
إن حماية حقوق الأحوازيين لا تعني منح امتيازات خاصة، وإنما تعني ضمان الحقوق التي تكفلها المعايير الدولية لكل إنسان، بغض النظر عن قوميته أو لغته أو دينه أو موقفه السياسي.
المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية
أكتوبر/تشرين الأول 2026