من زنزانتين تفصل بينهما المدن، يكتب أسيران ملحمة الوفاء، فيما ينتظر الوطن من أحراره أن يكسروا جدار الصمت وينتصروا لكرامة أبنائه.

 

ما أعظم أن يتضامن أسير مع أسير من أبناء شعبه، وهما خلف القضبان، تفصل بينهما المدن والسجون، ولا تجمعهما سوى رابطة الوطن ووجع الإنسان وكرامته! وما أنبل أن يواجه حمزة الساري/ سواري لفتة الجوع بإرادته، تضامناً مع مختار آلبوشوكة، الذي يخوض إضراباً مفتوحاً عن الطعام، في مشهد يجسد أسمى معاني الأخوّة الوطنية والوفاء الإنساني.

حمزة في سجن «قزل حصار» بمدينة كرج، ومختار في سجن  مدينة «أراك» الإيرانيتين. ربما لم تجمعهما معرفة سابقة، لكنهما التقيا في موقف يتجاوز المسافات والقيود؛ فحين شعر حمزة بمعاناة أخيه، قرر أن يتقاسم معه الألم، وأن يجعل من إضرابه رسالة واضحة: لست وحدك يا مختار، فمهما فرّقت بيننا السجون، فإننا أبناء شعب واحد وكرامة واحدة.

إنها بطولة حقيقية أن يغامر أسير بصحته تضامناً مع أسير آخر، في وقت يحتاج فيه كل منهما إلى من يسانده. لكن هذا الموقف النبيل يضعنا أمام سؤال مؤلم: إذا كان أسير محروم من الحرية يتحرك من أجل أخيه الأسير، فأين الأحرار الذين يملكون الحرية والقدرة على التحرك
 

يا أبناء الأحواز في أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا وسائر المنافي، أين أنتم؟

كيف يستطيع أسير خلف القضبان أن يحمل همّ أخيه، بينما يصمت بعض أبناء شعبه ممن يعيشون في بلدان تتيح لهم حرية التعبير والتنظيم والتواصل مع المؤسسات الحقوقية والإعلامية؟ أيُّ معنى لشعاراتنا الوطنية إذا لم تتحول إلى مواقف عملية حين تكون حياة أبناء شعبنا وكرامتهم في خطر؟

إن الصمت أمام معاناة حمزة ومختار ليس أمراً هيناً، والتقاعس عن نصرتهما يثير أسئلة مشروعة عن معنى المسؤولية الوطنية. ليس من المقبول أن نتغنى بتضحيات الأسرى في المناسبات، ثم نغيب حين يحتاجون إلى أصواتنا وجهودنا. فكيف يضرب أسير عن الطعام تضامناً مع أخيه، ولا يتحرك بعض الأحرار بما يكفي للتضامن معهما؟

ولا يعني ذلك أن جميع أبناء الأحواز في المنفى غائبون عن واجبهم، لكن خطورة الموقف تستدعي تضامناً أوسع وأفعالاً تتناسب مع حجم المخاطر التي يواجهها الأسيران.

يا أبناء الأحواز في المنفى، إنكم تملكون وسائل عديدة لنصرة حمزة ومختار: أطلقوا حملات تضامن بلغات متعددة، وخاطبوا المنظمات الحقوقية والبرلمانات ووسائل الإعلام، ونظموا الوقفات والفعاليات السلمية، وطالبوا السلطات الإيرانية بالاستجابة لمطالبهما، وضمان سلامتهما الجسدية وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهما.

لا تجعلوا الخلافات السياسية والتنظيمية عائقاً أمام واجب إنساني ووطني مشترك، ولا تسمحوا للمسافات أن تتحول إلى جدار آخر يعزل الأسيرين عن شعبهما. إن الحرية التي نعيشها في المنفى ليست امتيازاً شخصياً فحسب، بل مسؤولية تجاه من حُرموا منها.

وليكن صوتنا خارج السجون امتداداً مدوياً لصوت حمزة ومختار داخلها، ولتتحول كلمات التضامن إلى تحرك عملي عاجل يعرّف العالم بمعاناتهما، ويدافع عن حقهما في الحياة والكرامة، ويمنع عزل قضيتهما خلف الجدران.

حمزة يجوع تضامناً مع مختار، ومختار يجوع دفاعاً عن حقوقه وكرامته.

إن هذا الموقف البطولي يجب ألا يبقى مجرد قصة نرويها أو كلمات نكتبها، بل يجب أن يكون نداءً يوقظ الضمائر ويحرك الإرادات. فالأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما بالوفاء لأبنائها حين يكونون في أمسّ الحاجة إلى النصرة.

الحرية لحمزة سواري لفتة، والحرية لمختار آلبوشوكة، والكرامة لكل أسير أحوازي.

لا تتركوهما يواجهان الجوع والخطر وحدهما؛ فالمسافة بين سجونهما يجب ألا تكون أبعد من المسافة بين ضمائرنا وواجبنا الوطني.