تدخل إيران مرحلة بالغة الخطورة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات ضاغطة: أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة، وتوتر اجتماعي قابل للتصاعد، وبيئة عسكرية إقليمية مفتوحة على احتمالات مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، لا يبدو رفع مستوى التأهب وانتشار القوات الأمنية والعسكرية وتشديد الرقابة على المدن مجرد إجراءات احترازية تقليدية، بل يعكسان إدراكًا رسميًا لحساسية الجبهة الداخلية واحتمال تأثرها سريعًا بأي صدمة اقتصادية أو عسكرية جديدة.

إن تكثيف الحضور الأمني، ورفع جاهزية الأجهزة العسكرية والأمنية، وتشديد المراقبة على الشارع والاتصالات، يكشف أن حسابات طهران لم تعد تقتصر على مصدر التهديد الخارجي، بل باتت تشمل بصورة متزايدة احتمالات انتقال تداعيات الأزمة إلى الداخل. فالسلطة تواجه مجتمعًا أنهكته موجات التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية والبطالة وأزمات الطاقة والمياه والخدمات، في وقت تستنزف فيه العقوبات والتوترات العسكرية موارد إضافية من اقتصاد يعاني أصلًا من اختلالات بنيوية عميقة. ومن هنا تصبح المسألة أكثر خطورة من مجرد انتشار أمني؛ إذ إن قدرة الدولة على ضبط الشارع تظل مرتبطة بقدرتها على منع الانهيار المتسارع في الظروف المعيشية.

ويشكل احتمال تجدد المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة عاملًا مضاعفًا لهذه الأزمة. فإذا اتسعت العمليات لتطال قطاعات الطاقة والنقل والمنشآت الحيوية أو تعطلت حركة التجارة بصورة أكبر، فإن التداعيات قد تنتقل سريعًا من المجال العسكري إلى الأسواق وحياة المواطنين، عبر مزيد من الضغوط على العملة والأسعار والإمدادات والوظائف والمالية العامة. وفي هذه الحالة ستجد السلطات نفسها أمام معضلة استراتيجية قاسية: تمويل متطلبات الحرب والأجهزة الأمنية من جهة، واحتواء مجتمع يتحمل الكلفة الاقتصادية للحرب والعقوبات والأزمة الداخلية من جهة أخرى.

وتكمن نقطة الضعف الأخطر في أن الأدوات الأمنية تستطيع احتواء الاحتجاجات لفترة، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الأسباب التي تنتجها. فانتشار القوات قد يمنع تجمعًا أو يحد من حركة الشارع، لكنه لا يعيد قيمة العملة، ولا يخفض أسعار الغذاء والسكن، ولا يوفر فرص العمل، ولا يعالج أزمات المياه والطاقة. وكلما اتسعت الفجوة بين تكلفة السيطرة الأمنية وقدرة الدولة على تقديم حلول اقتصادية، ازدادت احتمالات تحول الأزمة من حالة احتجاج متقطع إلى حالة استنزاف اجتماعي وسياسي طويل الأمد.

وفي الأحواز، تكتسب هذه المعادلة أبعادًا أكثر حساسية بسبب الثقل الاستراتيجي للمنطقة في قطاعات النفط والغاز والطاقة والموانئ وشبكات النقل. فأي توسع للمواجهة العسكرية قد يدفع السلطات إلى زيادة الانتشار الأمني حول المنشآت والمراكز الحيوية وتشديد الرقابة على السكان والحركة والاتصالات. كما أن أي اضطراب في قطاع الطاقة أو الاقتصاد سينعكس على منطقة تعاني أصلًا من تحديات البطالة والمياه والبيئة والخدمات، وهو ما يجعل الأحواز إحدى المناطق التي ينبغي مراقبة انعكاسات الأزمة عليها بصورة دقيقة.

الاستنتاج: إن أخطر ما تواجهه إيران ليس الحرب وحدها ولا الأزمة الاقتصادية وحدها، وإنما احتمال اندماجهما مع أزمة اجتماعية داخلية في لحظة واحدة. فالدولة تستطيع حشد القوات، وتشديد الرقابة، ورفع الجاهزية العسكرية، لكنها لا تستطيع إلى ما لا نهاية تحييد أثر التضخم وتراجع العملة والضغوط المعيشية وتكاليف الصراع الخارجي. وإذا تزامنت جولة عسكرية جديدة مع صدمة اقتصادية أعمق، فقد تصبح الجبهة الداخلية أحد أكثر عناصر المعادلة الإيرانية حساسية.

ولا تقتصر هذه الجبهة على الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي أو المعيشي، بل تشمل أيضًا قضية الشعوب غير الفارسية في إيران، وفي مقدمتها العرب الأحوازيون الذين يطرحون مطالب تتصل بالحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية وبمستقبل الإقليم. وقد تكتسب هذه القضية أهمية إضافية في أي سيناريو يتسع فيه نطاق التوتر الداخلي، نظرًا إلى الموقع الجغرافي والاستراتيجي للأحواز على الضفة الشرقية للخليج العربي، وإلى ثقل المنطقة في منظومة الطاقة الإيرانية. ومن ثم، فإن تطورات الوضع في الأحواز وغيرها من المناطق ذات التركيبة القومية المتميزة قد تصبح جزءًا من الحسابات الأمنية والاستراتيجية الإيرانية، كما قد تتقاطع حولها مصالح أطراف إقليمية ودولية مختلفة، ولا سيما في حال اتساع المواجهة العسكرية أو تراجع قدرة الدولة المركزية على إدارة الأزمات المتزامنة.

وعند هذه النقطة، لن يكون السؤال متعلقًا فقط بقدرة طهران على مواجهة خصومها في الخارج، بل بقدرتها على تمويل الحرب والمحافظة على التماسك الداخلي وإدارة غضب اجتماعي متعدد الأسباب والهويات. وكلما ارتفعت كلفة المواجهة، ازدادت احتمالات تداخل المطالب الاقتصادية والاجتماعية مع المطالب القومية والسياسية لدى الشعوب غير الفارسية، بما يجعل بعض المناطق، وفي مقدمتها الأحواز، ذات أهمية مضاعفة في الحسابات الإيرانية والإقليمية.

ومن هنا، فإن التأهب الأمني الراهن لا ينبغي قراءته بوصفه استعراضًا للقوة فحسب؛ بل بوصفه أيضًا مؤشرًا على حجم المخاطر التي تستعد الدولة لاحتمال مواجهتها في الداخل إذا اجتمعت ضغوط الحرب والاقتصاد والشارع والقضايا القومية في توقيت واحد. وفي هذا السياق، قد تتحول الأحواز من مجرد ملف داخلي إيراني إلى قضية تتقاطع حولها اعتبارات الأمن والطاقة والجغرافيا السياسية، بما يجعل مستقبلها وحقوق سكانها جزءًا من المعادلة الأوسع التي ستتحدد من خلالها قدرة إيران على الحفاظ على تماسكها الداخلي خلال أي مرحلة تصعيد مقبلة.
 

المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية

26 سبتمبر/أيلول 2026