دخلت العقوبات الأميركية على قطاع الطيران الإيراني مرحلة جديدة، مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية استهداف جميع شركات الطيران الإيرانية المتبقية، إلى جانب شركات ووسطاء أجانب يقدمون لها خدمات النقل والتمويل والخدمات الأرضية. وأكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه، ابتداءً من 23 سبتمبر 2026، صعوبة بالغة في مواصلة عملياتها حول العالم، محذرًا المطارات وشركات الوقود والخدمات ووكلاء التذاكر من مخاطر فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي إذا واصلوا التعامل معها.
ويمثل القرار تحولًا من معاقبة شركات الطيران الإيرانية مباشرة إلى محاصرة البيئة الدولية التي تسمح لها بالعمل. فحرمانها من الوقود والخدمات الأرضية والصيانة والتأمين والتمويل والوصول إلى المطارات الدولية سيجعل تشغيل الرحلات الخارجية أكثر كلفة وصعوبة، ويحد من قدرة طهران على استخدام قطاع الطيران في نقل الأفراد والمعدات والشحنات التي تقول واشنطن إنها مرتبطة بأنشطة النظام والحرس الثوري.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن آثار القرار بدأت بالظهور؛ إذ أوقفت ماهان إير عددًا من رحلاتها الدولية إلى إسطنبول وأنقرة ومسقط. ومن جهتها، أعلنت بغداد التزامها بالقرار الأميركي، وستوقف رحلات الطيران الإيراني إلى العراق، فيما تواجه شركات الطيران الإيرانية تقلصًا متزايدًا في خيارات التشغيل الدولي.
ويعتقد المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية أن دول المنطقة، والمطارات، وشركات الخدمات، والقطاع المالي ستلتزم بالعقوبات الأميركية، وعليه ستواجه طهران عزلة متزايدة في قطاع الطيران، ليس بسبب العقوبات المباشرة المفروضة على شركاتها فقط، وإنما نتيجة امتناع الأطراف الدولية عن تحمل مخاطر العقوبات الثانوية الأميركية.
ومن منظور واشنطن، فإن هذه الخطوة تضرب إحدى القنوات التي تقول وزارة الخزانة إن النظام الإيراني يستخدمها للحصول على التكنولوجيا والطائرات والمعدات، وتضيف ضغطًا جديدًا إلى حملة أوسع تستهدف مصادر الإيرادات والشبكات المالية واللوجستية الإيرانية، في إطار عملية «الاقتصاد المنبوذ».
نجاح القرار لن يُقاس بعدد الطائرات الإيرانية التي تتوقف فحسب، بل بمدى استعداد المجتمع الدولي لتحويل العقوبات إلى عزلة تشغيلية ومالية حقيقية للطيران الإيراني، وهذا ما سيحصل. وكلما اتسع التعاون الدولي والإقليمي في تطبيق هذه العقوبات، تقلصت قدرة طهران على الالتفاف عليها، وازدادت كلفة استمرار شبكاتها الجوية واللوجستية خارج حدود إيران.
ويرى المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية أن هذه الخطوة لن تكتمل فاعليتها إلا من خلال فرض حظر جوي شامل يمنع حركة الطيران من وإلى إيران بشكل كامل، إذ من المرجح أن يسعى النظام الإيراني إلى إيجاد بدائل للالتفاف على العقوبات والحصار المفروضين عليه، وتوفير احتياجاته عبر الاستفادة من طيران الدول المتعاونة معه، ولا سيما الدول التي تربطها بطهران مصالح استراتيجية وعلاقات وثيقة، مثل العراق واليمن والصين وغيرها.
ومن شأن استمرار حركة الطيران عبر هذه الدول أن يوفر للنظام الإيراني قنوات بديلة يمكن من خلالها تخفيف آثار العقوبات والحصار والحد من فاعليتهما، الأمر الذي يجعل إغلاق هذه المسارات الجوية جزءًا أساسيًا من أي سياسة تستهدف إحكام العزلة الجوية على إيران ومنعها من استخدام شبكات النقل الجوي الإقليمية والدولية للالتفاف على القيود المفروضة عليها.