لم تعد أزمة المعيشة في إيران مجرد أزمة تضخم أو تراجع في القوة الشرائية، بل تحولت إلى ضغط سياسي يمس العلاقة بين الدولة والمجتمع بشكل أعمق. ففي بداية عام 2026، ارتفع الحد الأدنى للأجور بنحو 60%، ليصل إلى نحو 16.25 مليون تومان شهريًا، فيما بلغ إجمالي دخل العامل المتزوج ولديه طفل، بعد احتساب المزايا، نحو 24.9 مليون تومان. هذا في المدن المركزية فقط، لكن مناطق الشعوب غير الفارسية ما زالت تعاني التهميش والنسيان الممنهج. ورغم كل هذه الزيادة، لم تواكب كلفة الحياة؛ إذ قفزت سلة المعيشة من نحو 42.9 مليون تومان في مارس إلى 90.6 مليونًا في نهاية يوليو، بزيادة تقارب 111% خلال أربعة أشهر فقط.

وبحسب تقديرات مستقلة مبنية على بيانات رسمية، تراجعت قدرة دخل العامل على تغطية سلة المعيشة من 58.24% في بداية العام إلى 27.58% في نهاية يوليو. أي إن الراتب الذي كان يغطي أكثر من نصف الاحتياجات الأساسية لم يعد يغطي سوى ما يزيد قليلًا على ربعها. وهذه ليست فجوة محاسبية، بل انهيار مباشر في قدرة الأسر على تأمين الغذاء والسكن والصحة والنقل.

وتكشف أرقام التضخم حجم الضغط الاجتماعي. فقد بلغ التضخم النقطي العام 87.9% في يوليو، بينما وصل تضخم الغذاء والمشروبات إلى 128.1%، وارتفعت أسعار الحليب والجبن والبيض بنسبة 147%، واللحوم والدواجن بنسبة 145%. وفي أغسطس، بلغ التضخم النقطي للزيوت والدهون 258.2%. وبالنسبة إلى الأسر منخفضة الدخل، لا تعني هذه النسب مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تقليصًا يوميًا للوجبات، وتأجيلًا للعلاج، وتراكمًا للديون، واستنزافًا للمدخرات.

ولا تتوقف الأزمة عند انخفاض قيمة الأجور، إذ يواجه عمال في قطاعات التعدين والصناعة والبلديات تأخرًا في دفع رواتبهم لأسابيع أو أشهر، فيما اضطر بعض العاملين، بعد توقف الإنتاج أو اضطرابه خلال الحرب، إلى البحث عن مصادر دخل بديلة. وهكذا يجد العامل نفسه أمام ضغط مزدوج: راتب يصل إليه وقد فقد جزءًا كبيرًا من قيمته، أو راتب لا يصل أصلًا.

وامتدت هذه الضغوط إلى المتقاعدين والمعلمين والممرضين والموظفين وعمال البلديات والنقل. وفي مايو، شهدت مدينة السوس شوش في الأحواز احتجاجات لعمال بلديين ومتقاعدين بسبب الأجور غير المدفوعة، وتراجع المعاشات، وارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات. كما وثق تقرير Worker Rights Watch نحو 111 احتجاجًا عماليًا في 25 مدينة خلال النصف الأول من عام 2026، بينها 28 إضرابًا اقترنت بتجمعات احتجاجية. ورغم أن هذه الأرقام صادرة عن جهة غير حكومية، فإن تكرار المطالب يكشف أن الاحتجاجات لا تدور حول قضايا منفصلة، بل حول أزمة واحدة: دخل ثابت في مواجهة كلفة حياة متصاعدة.

ويزيد انهيار الريال من حدة المأزق. فقد تراجعت القيمة الدولارية للحد الأدنى للأجور من نحو 105 دولارات إلى 86 دولارًا منذ نهاية مارس، بينما أدى ضعف العملة إلى رفع كلفة السلع المستوردة وتعميق التضخم. وفي الوقت نفسه، تضيق قدرة الحكومة على الاستجابة بسبب العقوبات والقيود المالية وتراجع صادرات النفط والاضطرابات المرتبطة بالحرب. ووفق تقارير رويترز، تراجعت صادرات النفط الإيرانية إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل قبل عام، فيما اقترب التضخم من 70% وارتفعت أسعار الغذاء بأكثر من الضعف.

هنا تنتقل الأزمة من الاقتصاد إلى السياسة. فالعامل الذي ينتظر راتبه، والمتقاعد الذي يفقد معاشه قيمته، والمعلم والممرض والموظف الذي يطارد الأسعار من شهر إلى آخر، لم يعودوا يواجهون أزمات فردية منفصلة؛ إنهم يتحولون إلى كتلة اجتماعية تشترك في المظلمة الاقتصادية نفسها. ومع كل ارتفاع جديد في أسعار الغذاء، وكل راتب متأخر، وكل وظيفة مفقودة، تتسع المسافة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

قد تستطيع السلطة احتواء احتجاجات محدودة، لكنها لا تستطيع بالأدوات الأمنية أن تعيد للريال قيمته، أو تخفض أسعار الغذاء، أو تجعل الراتب المتأخر يصل إلى صاحبه. القوة تستطيع إسكات الشارع مؤقتًا، لكنها لا تستطيع إسكات الأزمة التي تدفع الشارع إلى الاحتجاج. وكلما استمرت الفجوة بين الأجور وتكلفة الحياة، وتراكمت المتأخرات والبطالة، واتسعت قدرة القطاعات المختلفة على التنسيق، أصبح انتقال الاحتجاج من مطلب اقتصادي إلى مساءلة عن إدارة الدولة نفسها أكثر احتمالًا.

والخطر الحقيقي ليس في احتجاج واحد، بل في تراكم الاحتجاجات حتى يصبح الغضب الاقتصادي لغة مشتركة بين فئات المجتمع. فحين يصبح الراتب عاجزًا عن شراء الطعام، يصبح الغلاء قضية سياسية؛ وحين يصبح العجز عن تأمين الحياة تجربة جماعية، يصبح الاستقرار نفسه موضع اختبار.

لهذا تقف إيران أمام معادلة لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية: إما أن تنجح الدولة في وقف تآكل القوة الشرائية واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، وهذا مستبعد في ظل الحصار الاقتصادي والعقوبات الجماعية على طهران، أو تستمر الفجوة في تحويل الضيق المعيشي إلى احتقان اجتماعي، والاحتقان إلى ضغط سياسي متزايد. وفي هذه المعادلة، لا يكون السؤال الحقيقي: متى يبدأ الاحتجاج؟ بل إلى أي مدى يمكن أن يستمر النظام في إدارة أزمة تتسع جذورها داخل المجتمع نفسه؟